إعلان عالمي لواجبات الإنسان

المناهج المدرسية (والجامعية) نوعان: مناهج مغلقة، كأنها صراط مستقيم لا يجوز للمعلم/ة الخروج عنها وإلا سقط في الهاوية؛ ومناهج مفتوحة أشبه بخطوط عريضة يهتدى بها، ولكن للمعلم/ة يتمتع بقدر من الحرية في ضوء ما يجري محلياً وإقليميا وعالمياً؛ علمياً وأدبياً وفنياً واقتصادياً وسياسياً.اضافة اعلان
المناهج المغلقة تنتج عقولاً مغلقة، وهي انعكاس للنظم الدكتاتورية والشمولية والأصولية المهيمنة في أغلب بلاد العرب والمسلمين؛ فالأجوبة والأسئلة جاهزة أو مقررة سلفاً، ولا يجوز للمعلم/ة والتلميذ/ة والطالب/ة الخروج عن سكتها الضيقة، وإلا انحرف القطار عن مساره وتدهور وتبعثرت عرباته وبضاعته. أما المنهج المفتوح، فهدفه تكوين عقول مفتوحة أو منفتحة، مبتكرة أو مبدعة، هي انعكاس للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن التعليم في بلاد العرب والمسلمين؛ المدرسي والجامعي، جهادي أحادي تكفيري غالباً. إنه حاضنة الإرهاب الأولى ودفيئته، ففيه يبيض وفي أوكار الخلايا السلفية (الجهادية التكفيرية) يفقس ويفترس.
***
يوجد مركزان للتحكم في سلوك الإنسان؛ أحدهما خارجي، والثاني داخلي. ولعل أعظم إنجازات التاريخ البشري -في نظري- ما قامت به النهضة الأوروبية، أو عصر التنوير فيها، حين نقلت هذا المركز من الخارج (الكنيسة والسلطة) إلى الإنسان. وقد كان مارتن لوثر الذي درس الفلسفة قبل الالتحاق بسلك الكنهوت، ثم درسّها في الجامعة، الممهد الأول لهذه النقلة، حين وضع لائحة احتجاج من خمسة وتسعين بنداً العام 1517 على باب الكنيسة. وهو العام الذي احتل فيه الأتراك العثمانيون سورية ومصر، وأبقوهما في سبات لأربعة قرون.
بتلك النقلة العظمى لمركز التحكم من الخارج إلى الداخل، نال الإنسان حرية التفكير والتعبير، وصار صاحب القرار عن نفسه ومصيره؛ أي مالكاً لعقله وضميره. وهي لعمري نقلة لم تحدث بعد في بلاد العرب والمسلمين. إذ لم يبرز بينهم إلى اليوم رجل دين واحد مثل مارتن لوثر، ولا مفكر مثل فولتير الذي كان يقول: "أنا لا أوافقك على ما تقول، ولكنني سأناضل حتى الموت في سبيل حقك أن تقول".
عندما يكون مصدر التحكم في الإنسان خارجياً، فإنه سرعان ما يسقط في الإغراء أو الإغواء أو غياب الرقيب، لكنه بالتحكم الداخلي أو الذاتي بنفسه يصمد بحضورها.
***
التسامح فضيلة خادعة، كما كتبت مرة ("الرأي" 27 /12 /2005). لأن التسامح يعني أن المتسامح يحمل العصا وراء ظهره، وأنه قد يستعملها في أي لحظة مع المتسامَح معه. إنها تعني تنازلاً أو تكرماً مؤقتاً، وليس اعترافاً أو احتراماً لحق الإنسان الثابت في الرأي والاعتقاد. والبديل هو السماحة، والعيش المشترك والاعتراف بالآخر وقبوله، واحترام حقوقه الإنسانية، كي يعترف الآخر بنا ويقبلنا ويحترم حقوقنا الإنسانية.
***
في غمرة ما يسمى "الربيع العربي"، والفوضى الاجتماعية والسياسية التي رافقته، انبرت جميع الفئات والجماعات تطالب بحقوقها المهضومة، حتى وإن لم تكن مهضومة أصلاً. وقد استخدمت الإضرابات عن العمل والاعتصامات والاقتحامات والاعتداءات لإجبار الحكومة أو إدارة الشركة على الخضوع لها. ولما كانت الحكومات والإدارات ضعيفة، فقد ظلت تخضع إلى أن ناءت بالأعباء الناتجة عن ذلك.
اللافت للنظر بعد حصول هؤلاء الناس على جميع مطالبهم، عدم زيادة الإنتاج أو الإنتاجية في المؤسسة أو الشركة لتغطية التكاليف الإضافية الجديدة، وعدم إدراكهم أن الدولة أو الشركة قد تنهار. تذكرني هذه الحالة بوقت كانت شركة مرسيدس تعاني فيه، فبادر الموظفون والعمال إلى دعمها من رواتبهم وعلاواتهم لتبقى. وقد بقيت وازدهرت بفضلهم.
***
لقد انبهر الناس بموضوع حقوق الإنسان، فنسوا الواجبات؛ مع أنه لا حقوق ممكنة من دون واجبات مسبقة. إن الواجبات تتقدم على الحقوق، لأن الواجبات بمثابة إنتاج والحقوق بمثابة استهلاك، ولا استهلاك من دون إنتاج. لقد صار ملحاً إصدار لائحة عالمية بواجبات الإنسان لتذكير الناس بواجباتهم نحو بعضهم بعضا.
***
في الماضي القريب، كان موضوع التدبير المنزلي في مدارس البنات يأخذ حيزاً محترماً في برنامجها. كانت البنات يتعلمن إعداد الأغذية والحلويات وترتيب المائدة. لكن يبدو أن الاهتمام بهذا الموضوع يتراجع اليوم، على الرغم من الحاجة الماسة إليه، ليس في مدارس البنات فقط، بل في مدارس البنين أيضاً. فقد صار على الفتى، وليس الفتاة فقط، تعلم التدبير المنزلي. وربما صار يلزم خريج المدرسة -الفتى والفتاة- إعداد ما لا يقل عن خمس من الأكلات أو الأغذية التقليدية، لاستكمال متطلبات تخرجه والتحاقه بالجامعة.