"إنكار" الإسلاميين فكرياً أيضاً!

يمثل كتاب "الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر" للمفكر العربي الراحل تركي الربيعو (الصادر عن المركز الثقافي العربي 2006) وثيقة فكرية مهمة في نقد منظور الخطاب العربي التقدمي (اليساري والقومي والعلماني) للحركات الإسلامية، ذلك المنظور الذي يقوم على قولبة الظاهرة الإسلامية والتعامل معها بأفكار مسبقة معلّبة تتغلب فيها إرادة الأيديولوجيا على إرادة المعرفة.

اضافة اعلان

تكمن المساهمة المعرفية الرئيسة للكتاب برفض حالة "الانكار" التي يمارسها الخطاب العربي تجاه الحركات الإسلامية ومحاولة ربطها بتفسيرات سلبية دوما بعيداً عن دراسة الشروط الموضوعية والتاريخية التي تنتج الحالة الإسلامية وتساهم في نموها وصعودها.

ويرى تركي أن ظاهرة الحركات الإسلامية "الراديكالية" – على وجه التحديد- ليست نتاجاً دينياً ذاتياً، كما يحاول أن يوحي تيار واسع من الخطاب العربي، فالعنف "الإسلامي" هو وليد ظروف موضوعية بالدرجة الأولى تتمثل بانسداد الآفاق السياسية أمام الشباب المسلم في منطقة الشرق الأوسط مع تنامي الدولة التسلطية، أضف إلى ذلك السياسة الأميركية التي يشبهها أوليفيه روا بالسفينة التي تبحر على هواها والتي يحلو لها بين حين وآخر أن تقذف بمجموعة من حمم الصواريخ توماهوك، ممّا يمهد إلى عملية تجييش واسعة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها، بحيث تؤدي إلى المزيد من الفاعلية السياسية لهذه القوى الراديكالية، وذلك على الرغم من افتقارها إلى مشروع سياسي حقيقي. فتركي وإن كان يؤكد أهمية نقد ظاهرة العنف ويحذّر من مآلاتها الخطيرة إلاّ أنه لا يقبل أن يقتصر دور المثقفين العرب على الإدانة وإطلاق "صيحات الحرب" بدلاً من دراسة تلك الظاهرة وتحليلها بمنهاجية موضوعية رصينة تساعد على إدراك شروطها وأبعادها.

في هذا السياق، يرصد عمرو الشوبكي - الباحث المصري المتخصص بالحركات الإسلامية- مداخل منهاجية متعددة لقراءة الظاهرة الإسلامية معتبراً أنّ الخطاب العربي العلماني تعامل مع هذه الظاهرة في سياق جامد مقولب، من خلال ربطها بمفهوم "الأزمة الاجتماعية" بعيداً عن الاعتراف بالمكون الثقافي الأصيل فيها، والتمييز بين ذلك وبين الأسباب والشروط التاريخية في انتشار وصعود الظاهرة، في المقابل فإنّ قراءة الربيعو (كمثقف عربي علماني مستقل) للخطاب العربي تؤكد على فرضية الشوبكي بوجود تلك القراءة المتحيزة والأحكام المسبقة ضد الحركات الإسلامية والتي تقوم على تفسيرات سلبية تارة تربط الحركات الإسلامية بالأمراض النفسية الفردية والجماعية، وتارة أخرى بالتخلف الاجتماعي والثقافي، وثالثة بالأزمة التاريخية- السياسية المتمثلة بفشل المشروعات التنموية والوطنية، ورابعة بالعلاقة مع الاستعمار والإمبريالية والعمالة لها..الخ.

ما يلتقطه تركي بذكاء شديد هو أنّ الخطاب التقدمي العربي - الذي طالما نعى على الإسلاميين تمسكهم بالنص على حساب الواقع- هو خطابٌ سلفي بامتياز مسكون بنص آخر (لكنه غربي: سواء كان نص ماركس أو غيره من المثقفين) ينظر إلى الواقع من خلال ذلك النص فقط، بل ويقولب الواقع ليتطابق معه، مقحماً على الواقع العربي قراءات لواقع مغاير في إشكالياته وتطوره، ويحكم على الحركات الإسلامية بمواقف فكرية مسبقة لا عن دراسة معرفية حقيقية.

لا يترك ربيعو لدى القارئ شكاً في تلك القراءة الأيديولوجية المتحيزة، للخطاب التقدمي العربي، من خلال رصده وتفكيكيه لنصوص عدد من المفكرين العرب المعروفين (محمد عابد الجابري، رضوان السيد، محمد جابر الأنصاري، نصر حامد أبو زيد، محمود أمين العالم، محمد أركون، سمير أمين، محمد حافظ ذياب، فؤاد زكريا، فالح عبد الجبار وغيرهم). وما يلفت الانتباه إلى مستوى قراءته النقدية الجادّة والدقيقة في نقد الخطاب العربي هو دحض تركي لدعوى المفكرين العرب استخدامهم المقاربة السسيولوجية (المدخل الاجتماعي) في دراسة الظاهرة الإسلامية؛ تلك القراءة التي يقع في بؤرتها المركزية ربط انتشار الحركات الإسلامية بالبؤر الريفية في المدينة "ترييف المدينة"، إذ يرى تركي أنّ هذا الموقف الفكري يدلل على مفاهيم وقيم خطيرة تحكم الخطاب العربي في مقدمتها أنه يستبطن احتقاراً لشريحة واسعة وعريضة من المجتمعات العربية هم الفلاحون وربطهم بالتخلف والرجعية، وهو شعور فوقي من المفكرين العرب، كما أنّ هذا الموقف يوافق الاستشراق الغربي بربط الإسلام بالسذاجة والتخلف والقيم المتأخرة، ناهيك أنه يتضمن صراعاً اجتماعياً مفترضاً غير قابل للحل بين المدينة والريف، والأهم من هذا وذاك أنه يتضمن أفكاراً سلبية عن الجماهير العربية تفترض عدم أهليتها للديمقراطية واستحقاقاتها.

أهم ما في الكتاب أنه يفضح تواطؤ بقايا اليسار التقدمي العربي وتحالفه الاستراتيجي مع السلطة السياسية (التي طالما نظر إليها اليساريون على أنّها رجعية وملحقة بالامبريالية) ضد الحركات الإسلامية، بل يصل تركي إلى أنّ التيار التقدمي العربي يستبطن ضمناً دعوة إلى السلطة السياسية لأن تضرب بيد من حديد ما يسميها الاتجاهات المتطرفة. وتحت ذرائع العمالة للغرب والدفاع عن التقدمية يقدم اليسار العربي تيارا عريضا من المجتمع العربي (الحركات الإسلامية ومؤيديها) إلى المذبح السياسي من دون أدنى اعتبار لقيمة الديمقراطية وحق الجميع بالمشاركة التي طالما نادى بها الخطاب "التقدمي العربي".

أمّا المسكوت عنه – في حديث تركي- فهو شعور مفكري الخطاب التقدمي العربي بالضعف والوهن وعدم القدرة على منافسة الإسلاميين الذين استولوا على الشارع من الاتجاهات القومية واليسارية، فلم تجد الأخيرة سوى خطاب اتهامي وتحريضي ضد الإسلاميين لتخفي به فشلها الذريع.

الهدف العملي الذي يسعى إليه تركي من كتابه - من خلال نقده للقراءة العلمانية العربية السائدة تجاه الحركات الإسلامية والدعوة إلى قراءة جديدة- هو فتح الباب واسعاً أمام تصالح فكري وسياسي عربي يقوم أولاً على تجاوز حالة انكار الخطاب العربي للحركات الإسلامية والاعتراف بوجودها الأصيل، وبإدراك الشروط الموضوعية والمبررات الحقيقية وراء انتشارها وصعودها، وصولاً إلى بناء أصول لحوار فكري صحي يجنب المجتمعات العربية حالة الانقسام والانشطار التي تستنزفها بحثاً عن الهوية في معمعة الصراعات الفكرية والسياسية الداخلية.

[email protected]