إنها الحرب!

مع مرور الوقت، تتضح آثار الحروب الدائرة في الإقليم بشكل أكبر وأعمق على الاقتصاد الأردني، وبما يجعل التحدي ضخماً أمام الفريق الاقتصادي على صعيد تحقيق المؤشرات المنشودة، لاسيما النمو الاقتصادي المأمول للعام الحالي، والمقدر في الموازنة العامة بحوالي 3.1 %.اضافة اعلان
الحكومة لم تقدم خطابا مختلفا، مع المضي في كثير من المشاريع على قدم وساق. وهذه وتيرة متوقعة وطبيعية من دون حروب، لبلد يعاني من مشاكل هيكلية في اقتصاده، وأخرى متعددة وكبيرة، قبل اشتعال المنطقة أصلا، خصوصا ما يتعلق بالفقر والبطالة.
مع تعقد المشهد العسكري والسياسي إقليمياً، تتضاءل الفرص لرفد الاقتصاد باحتياجاته لتحقيق التنمية الاقتصادية. وقد لا يستشعر الناس فكرة وجود حرب، فهي ليست على الأرض الأردنية، لكن ذلك لا يمنع حقيقة أنها تلقي بحمولتها الثقيلة على المملكة واقتصادها.
شكاوى القطاع الخاص المخنوق لا تتوقف، فيما تبدو البدائل محدودة، إن لم تكن معدومة. والإجابة التي تُسمع من بعض المسؤولين مباشرة هي: "إنها الحرب"؛ وعلى الجميع أن يصبر ويتحمل هذه السنوات العصيبة. ولتبدو لغة الاستسلام واضحة في كلام هؤلاء المسؤولين.
لكن السؤال هو: هل تكفي هذه الإجابة من المسؤولين للاستجابة لمخاوف الناس؟ كذلك، هل تستطيع هذه الإجابة تحقيق التنمية المنشودة، والتي تعتبرها الدولة أداة مهمة لمحاربة الفكر المتطرف؟
أخطر ما في الحرب أنها تضرب المزاج الاستثماري. وتتعمق صعوبة تبديد حالة عدم اليقين التي تسود منذ سنوات، بتضافرها مع محدودية العون الذي يتلقاه الأردن من الدول الشقيقة والصديقة، رغم علمها التام بحجم الكلف التي يتكبدها الأردن نتيجة الجبهات المفتوحة في الإقليم، وتحديدا الثقل الكبير الذي تلقيه أعداد اللاجئين الضخمة من الإخوة السوريين على الاقتصاد. وهي أعداد كانت مرشحة للزيادة أكثر لولا ضبط الجبهة الشمالية.
المعابر الحدودية مغلقة، والهاجس الأمني يتفوّق على الاقتصادي، وهذا طبيعي. لكن هذه المعادلة قاسية على رجال الأعمال وأصحاب المشاريع، الذين دفعوا ثمنا ليس بالقليل مع خلوّ الحد السوري من القوات النظامية بسهولة ويسر؛ وكأن نظام الأسد فضّل التخلي عن الحد وتركه للمتطرفين، ليزيح عن كتفه هذه المسؤولية!
كذلك، لا مجال أمام رجال الأعمال والتجار للتعويل على الحدود العراقية المغلقة من دون قرار رسمي؛ إذ يعجز كثيرون عن تصدير بضائعهم لأسباب أمنية، تتعلق بتواجد التنظيمات المتطرفة على الطرق، مضافاً إليها الآن التوقعات ببدء معركة الأنبار، بما يزيد الحالة تعقيدا.
فوق كل ما هو خارجي، تنظر إلى الداخل ليبدو واضحا أن الوضع غير مريح أيضاً، والدَّيْن العام في ازدياد، كما العجوزات آخذة في الاتساع. فترى الودائع تتضخم لدى البنوك، لتبلغ 30.8 مليار دينار، في دلالة على مرض اقتصادي، لاسيما بالعجز عن تحفيز الاقتصاد عبر ضخ الأموال في عروقه، بدلا من إبقائها حبيسة خزائن البنوك. فحجم التسهيلات مقلق بدرجة تؤكد نظرية الخوف المسيطرة على عقل صاحب المال، بحيث تجد حجم القروض الممنوحة من كل البنوك العاملة محليا في شهر 48 مليون دينار فقط! وليكون تأجيل أي قرار استثماري إلى حين ميسرة.
بصراحة، الرد الذي يقدمه بعض المسؤولين سلبي، ويكشف قصورا في التفكير. ومن المجدي فعلا إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية، وعقد خلوة وطنية تضم أبرز ممثلي القطاعين العام والخاص، للخروج برؤية تقي البلد شر الحرب، وتخرجنا من حالة الانتظار إلى الإنتاج، لمواجهة ما هو قادم.
المطلوب خلية عمل، رأس حربتها القطاع الخاص، ليكون جزءا من أدوات مواجهة الحرب والخروج منها بسلام، لأنها فعلا حرب التنمية التي طالما فشلنا في الانتصار فيها.