إيران العراق.. وإيران سورية!

لم يعد مبرراً أبداً التساؤل عن أسباب ودوافع ظهور قاسم سليماني على جبهات القتال في العراق، لاسيما الفلوجة. فهو لا يظهر هناك كقائد لفيلق القدس الإيراني، وإنما كمستشار عسكري لدى الحكومة العراقية، كما كشف قبل أيام وزير خارجية العراق إبراهيم الجعفري.اضافة اعلان
لكن حتى مع إجلاء هذا الوضع "القانوني الشرعي" لسليماني، فقد يظل مطروحاً سؤال يبدو جوهرياً؛ عما إذا كان القائد في الحرس الثوري الإيراني مستشاراً للجيش العراقي المفترض أن يكون وطنياً، أم للحشد الشعبي الموصوم بالطائفية؟ إلا أن الواقع يثبت أن هذا السؤال محسومة الإجابة عنه بشكل نهائي. وذلك ليس بدعوى أن الجيش و"الحشد" يتبعان الحكومة، التي "يتبع!" لها سليماني أيضاً؛ فلا تكون من أهمية للفرق بشأن مجال عمل المستشار الإيراني؛ بل لأنه أياً ما كانت حدود مهام سليماني "نظرياً"، فإن جهده الفعلي يظل منصباً، وبشكل تام، ضد الجيش العراقي، كمؤسسة وطنية غير طائفية.
طبعاً، يعرف الجميع أن سليماني كان أكثر من مستشار للحكومات العراقية منذ الغزو الأميركي العام 2003. وقد تجلى إنجازه بشكل يستحيل إنكاره مع اجتياح تنظيم "داعش" للموصل، في مثل هذه الأيام قبل عامين، من دون مقاومة، وإلى الحد الذي فاجأ التنظيم ذاته، كما أقر في أحد تسجيلاته لاحقاً، مع اغتنامه أسلحة للجيش العراقي بمئات ملايين الدولارات.
واليوم، يؤكد ضباط ومسؤولون مدنيون أميركيون رفيعو المستوى، حاليون وسابقون، بحسب تقرير مطول لوكالة "رويترز" نشر السبت الماضي، فشل جهود سبعة عشر شهراً في "تشكيل عدد كبير من الوحدات العسكرية العراقية الكفؤة، أو الحد من سطوة المليشيات الطائفية". يستثنى من ذلك "القوات الخاصة العراقية"، المعروفة بمسمى "قوات مكافحة الإرهاب"، والتي يُخشى، في المقابل، استنزافها في المعارك المتواصلة ضد "داعش".
إذ عدا، مثلاً، عن خضوع "قيادة عمليات" الجيش العراقي في محافظة صلاح الدين -بحسب ضابط أميركي ومسؤول أمني عراقي وثلاثة ضباط جيش عراقيين- لسيطرة "أبو مهدي المهندس"، قائد المليشيا الذي يظهر مؤخراً مع سليماني؛ يُقدر أيضاً ضباط أميركيون في بغداد أن ما بين 10-20 % من الضباط العراقيين الثلاثمائة الذين يديرون "قيادة العمليات" هناك، قريبون أو مرتبطون بمليشيات "منظمة بدر" أو بالزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
ويتمثل جوهر معضلة إعادة بناء الجيش العراقي، بحسب المسؤولين الأميركيين المشرفين على العملية، في نقص التمويل، كما عدد المتطوعين من العراقيين الشيعة. وهي المعضلة التي يمكن بداهة استنتاج أنها نتيجة لوجود "الحشد الشعبي" الممول من الحكومة العراقية أساساً. وكما هو معلن إيرانياً، فإنه ليس مسموحاً أبداً توحيد التمويل والتجنيد العراقي نحو بناء جيش وطني كفؤ، بما يعني حل "الحشد" وسواه من المليشيات "التابعة" للحكومة؛ وقد اقترح القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محسن رفيق، الأسبوع الماضي، تحويل "الحشد" إلى "حرس ثوري"، مؤكداً أن بلاده "علی استعداد كامل لمساعدة العراق إذا فكر في ذلك"!
طبعاً، لم يعد الدور الإيراني المدمر للعراق مسألة تثير الدهشة لدى أي كان. لكن ما يثير الدهشة فعلاً توهم أتباع "الولي الفقيه" العرب، لاسيما القومجيون واليساريون والعلمانيون منهم (!)، أن بإمكانهم إقناع الشعوب العربية بأن إيران الطائفية المدمرة في العراق، هي غير إيران في سورية! ومثل ذلك أيضاً روسيا التي وصف رئيسها قبل أيام تحالفه مع إسرائيل بـ"التحالف غير المشروط"؛ فهذه مختلفة عن روسيا التي تحمي بشار الأسد باعتباره من ركائز محور "المقاومة والممانعة" الذي يسعى إلى تحرير فلسطين... وقائمة "التذاكي!" تطول، فقط لتبرير دعم الطغيان.