إيران تستعد لانتخاباتها بالبحث عن توافق

وسط تصاعد وتيرة أحداث إيران وأزماتها، ينتظر الجميع، في إيران وخارجها، موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في  حزيران(يونيو) المقبل. المثير في الانتخابات، كما كانت الحال في آخر ثلاث دورات انتخابية إيرانية في 1997 و 2001 و 2005، أن المنافسة بين الأجنحة السياسية والدينية، خصوصاً بين التيارين الإصلاحي بزعامة الرئيس السابق محمد خاتمي والمتشدد بزعامة الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، قوية. ما يزيد الإثارة أن المنافسة لم تعد محصورة بين الجناحين، بل امتدت الى داخل الأجنحة نفسها.

اضافة اعلان

فالإصلاحيون يشتركون في رؤية مؤداها أن نجاد، بتشدده وخطابه المتوتر ومحاولاته تأجيج الصراع مع الولايات المتحدة والدول العربية، يمثل المصدر الأساس لكل أزمات إيران، الاقتصادية منها والسياسية والديبلوماسية. لكنهم يختلفون في مسائل أخرى، بينها تأكيد بعضهم، منهم الرئيس السابق للبرلمان، ناطق نوري، أن الخلاص من نجاد يتطلب عدم ترشيح خاتمي نفسه في الانتخابات المقبلة. نوري الذي يعتزم ترشيح نفسه، يرى أن نزول خاتمي الى ساحة الصراع الانتخابي سيؤدي الى اتفاق الأوساط المحافظة على نبذ خلافاتها وتوحيد مواقفها في وجه الإصلاحيين. بل يمكن أن يؤدي الى قرار المحافظين إعادة ترشيح نجاد لولاية ثانية.

هناك، أيضاً، وسط آخر يضم طيفاً واسعاً من الإصلاحيين بينهم الزعيم السابق للكتلة الإصلاحية في البرلمان فرهاد خاتمي، شقيق محمد خاتمي، وعبدالله نوري وزير الداخلية الأسبق، وعطا مهاجراني وزير الثقافة الأسبق. يشدد هذا الوسط على ضرورة إقناع خاتمي بترشيح نفسه لكونه المرشح القادر على إزاحة أي مرشح محافظ. يجادل هؤلاء أن التيار الإصلاحي ليس بتجمع انتخابي فحسب، إنما هو برنامج عمل شامل لا يمكن إدارته في الفترة العصيبة الراهنة من تاريخ إيران إلا على يد خاتمي نفسه.

في مربع آخر، يدعو بعض الإصلاحيين الى تسوية انتخابية مع المحافظين. جوهر التسوية، في رأي هؤلاء، هو أن يصار الى مرشح متوافق عليه بين التيارين يبادر، بعد الانتخابات، الى تشكيل حكومة وحدة وطنية. يرى هؤلاء، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي والمسؤول الأسبق لملف المفاوضات حول البرامج النووية الإيرانية حسن روحاني، أن نجاد لم يثبت نجاحاً في قيادة البلاد. في الوقت عينه، لم يثبت الإصلاحيون أنهم يمتلكون قاعدة منظمة في المجتمع أو مؤسسات أمنية واقتصادية مهمة كما هي حالة التيار المحافظ. لهذا، يمكن لأي اندفاع غير مدروس وغير متوافق عليه في ميدان الانتخابات أن يفضي الى انهيار السقف على الجميع. يشار الى أن هذا التيار يفضل ترشيح موسوي للرئاسة باعتباره يتمتع بدعم التيارين، كما أن علاقاته حسنة الى درجة كبيرة مع المرجع الشيعي الأعلى علي خامنئي.

يشار الى أن التيار الإصلاحي شهد في الفترة الأخيرة نشوء مركز آخر يتمثل في رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. فالأخير الذي يتمتع باحترام كبير بين الإيرانيين باعتباره من الرعيل الأول للثورة الخمينية، يفضل عدم تصعيد المنافسات الانتخابية بين التيارين. الى ذلك، يشدد على ضرورة مشاورة خامنئي والحصول منه على إذن مسبق للاتفاق على تسوية متبادلة بين التيارين. أوساط بين الإصلاحيين لا تستبعد أن تكون هذه الدعوة تحمل طابعاً ذاتياً يهدف من ورائها رفسنجاني الى استبعاد كل من نجاد وخاتمي عن ساحة الترشيحات، بغية التحضير لطرح نفسه كمرشح أوحد للتيارين.

في مقابل هذه الخريطة الإصلاحية، ينقسم المحافظون بدورهم الى أوساط تختلف في رؤاها حيال كيفية المشاركة في الانتخابات. فأوساط في الحرس الثوري والجيش والدوائر الأمنية والاستخباراتية، إضافة الى عدد من غلاة المتشددين في إيران، ترى أن مصالح الصراع مع الولايات المتحدة، والأخطار الداخلية والخارجية المحدقة بالبلاد تتطلبان إعادة ترشيح الرجل القوي، بحسب وصفهم، نجاد. في رأي هذه الأوساط أن نجاد هو القادر على تحريك مثالي لخيوط اللعبة مع (أعداء البلاد) في المرحلة الراهنة. كما أنه الوحيد القادر على منع سقوط إيران في أيدي عملاء الولايات المتحدة في إشارة الى الإصلاحيين.

لكن آخرين في الوسط المحافظ، في مقدمهم رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني، لا يتفقون مع هذا التوجّه، بل يؤكدون أن إعادة ترشيح نجاد قد تؤدي الى تحويل الصراع مع أميركا الى صراعات داخلية ضد الإصلاحيين، ما يفيد أعداء البلاد. في رأي هؤلاء، أن وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما المعروف بدعوته للحوار مع طهران، الى البيت الأبيض، فتح باباً أمام طهران لإقناع واشنطن بأحقيتها في امتلاك برنامج نووي سلمي أو عسكري.

الى هذا، يعتقد لاريجاني بضرورة تطوير العلاقات مع الدول الخليجية والعربية. فهذه الدول في رأيه، تشكل، أولاً، وسيلة عملية لإقناع أميركا وإسرائيل بالكف عن تهديد إيران أو توجيه ضربة عسكرية لها. وتشكل، ثانياً، الفضاء الذي ستحتاجه طهران في حال تعرضها الى عقوبات إقتصادية وسياسية وعسكرية وديبلوماسية دولية أو أميركية. يشار الى أن البعض في التيار المحافظ يفضل ترشيح لاريجاني باعتباره الوجه المحافظ الأكثر مقبولية في الأوساط الإيرانية والدولية.

لكن ماذا عن موقف خامنئي؟ في الواقع، لم تتضح ملامح هذا الموقف حتى الآن. لكن مراقبين داخل إيران وخارجها لا يستبعدون أن يضع خامنئي ثقله، في نهاية المطاف، مع تسوية بين التيارين تخفف الاحتقانات الانتخابية الحاصلة وتجنب البلاد خلافات غير معروفة العواقب. فخامنئي يرى أن وجود أوباما في البيت الأبيض يمنح الإصلاحيين قوة دفع خطيرة. أما المحافظون فإنهم سيلجأون الى استخدام مختلف الوسائل، بما فيها وسائل العنف والمواجهات، لمنع انتشار (الأوباماوية) في إيران. لهذا لابد من مرشح ديني نصف إصلاحي ونصف محافظ يتمتع بصلات قوية مع التيارين.

إذا صحّ هذا الاستنتاج، فالأرجح أن قائمة المرشحين ستخلو من اسمي نجاد وخاتمي. كما ان حظوظ رفسنجاني قد تكون ضعيفة لتاريخه السياسي الذي تتداخل فيه صراعاته مع المحافظين والإصلاحيين. بحسب هذا الاستنتاج، أقرب المرشحين الى خامنئي الذي يمثل السلطة المطلقة في البلاد، هو لاريجاني الذي يتحدر من عائلة دينية تشتهر بعلاقاتها الوطيدة مع المرجع الديني. أو موسوي الذي شغل رئاسة الوزراء في إحدى أكثر مراحل إيران صعوبة في فترة الحرب مع العراق. أو وزير الخارجية الأسبق علي أكبر ولايتي الذي تولى حقيبة الخارجية في الفترة نفسها وأدارها بحنكة سياسية غير قليلة. مع هذا، تظل الأبواب مشرعة أمام الاحتمالات. فإيران رغم دينيتها المفرطة، تشتهر ببراعتها وفذلكتها في لعبة المتناقضات والمفاجآت السياسية.

* كاتب ومحلل سياسي كردي