إيران: مناجاة الله لأجل مزيد من العقوبات

اعتاد المتابعون لتطورات الملف النووي الإيراني والعلاقة الإيرانية الغربية بعامة الى الاستماع لخطابات متشددة قادمة من عواصم غربية تتحدث عن تشديد العقوبات، وان العقوبات " عصا موسى السحرية " التي ستجبر إيران على التراجع عن تخصيب اليورانيوم. فرضية ماتزال تتردد بل ينظر إليها بوصفها الأمر الذي قد يقلل من فرص المواجهة العسكرية عند البعض، وربما تأخير تلك المواجهة عند البعض الآخر.

اضافة اعلان

ارتبطت ذاكرة إيران "الجمهورية الإسلامية" منذ نشأتها بالعقوبات، حيث بدأت الولايات المتحدة بفرض عقوبات من طرفها على إيران، شملت حجز حوالي 7 بلايين دولار من مدخرات إيران في البنوك الأميركية، ثم تلا ذلك عقوبات على قطاع الطيران ثم قطاعات معينة من التكنولوجيا، وامتد الأمر ليصل في العام 2010 إلى عقوبات اقتصادية شبه شاملة تطال القطاع المالي والمصرفي والاقتصادي وكذلك التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدم لأغراض عسكرية أو ما تسمى بتكنولوجيا " ثنائية الاستخدام". هذا التشدد في فرض العقوبات والتي يعتقد غربيا أنها تؤذي الاقتصاد الإيراني وتؤخر عمليات الاستثمار الأجنبي فيه، لا يبدو أنه يثير غضب بعض أركان النظام السياسي الإيراني، كما لا يبدو أنه يثير أزمة بين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي وبين الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد كما صرّح بذلك وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس.

العقوبات اليوم، على عكس كل ما وسبق وقيل، مرحب بها في إيران، بل إن قائد قوات التعبئة محمد رضا نقدي "يدعو الله أن يفرض الغرب المزيد من العقوبات"، الرئيس الإيراني كان قد اعتبر في تصريحات له حول تأثير العقوبات على إيران بأنها أشبه بـ "لدغة بعوضة"، وهي إشارة تقلل من شأن الاهتمام الإيراني بالعقوبات وآثارها.

الموقف من العقوبات في إيران الذي يبدو مستهزئا يخفي وراءه حالة من الانقسام السياسي في إيران، فالتيار المحافظ التقليدي أو المحافظ الجديد يرى بأن العقوبات يمكن أن تتحول إلى فرصة لإيران، وهي فرضية تبدو مستندة على تجربة الصين في القرن الماضي التي حجبت نفسها عن العالم كما قاطعها العالم أكثر من ثلاثة عقود لتظهر بعدها قوة اقتصادية يخشى جانبها ويحسب لها ألف حساب. تحويل العقوبات إلى فرصة بالنسبة إلى إيران يعني تقدما في الجامعات وفي الأبحاث وفي الصناعات، وهي أمور لم تكن لتحصل لو لم تكن العقوبات وفق قائد قوات التعبئة وكثيرين من حوله. في المقابل هناك من يرون أن العقوبات تؤذي الاقتصاد الإيراني، إذ أن الاقتصاد لا يبنى في عالم اليوم إلا من خلال تعاون ومشاريع مع دول أخرى، وان التكنولوجيا عامل حاسم في تطوير الاقتصاد الفعال الذي يحمل على أكتافه أي حكومة، هولاء هم الاصلاحيون والتكنوقراط الذين يعتبرون من البعض واقعيين، وهم اليوم مغيبون تماما عن الساحة السياسة الإيرانية.

جدل الضار والنافع بالنسبة للعقوبات الاقتصادية على إيران مستمر ما استمرت الأزمة بين إيران والغرب. الأمر الحقيقي أن العقوبات تتعلق بأمر يمكن حسابه بمقاييس مختلفة، وبالتالي ما دامت عمليات الحساب والتقييم موجودة فإن من الصعب تجاهل الآثار التي يمكن ان تتركها العقوبات، فإذا رأى البعض أن لها ايجابيات فلا يمكن تجاهل الآثار السلبية التي يمكن حسابها بالورقة والقلم كما يقول المثل!

[email protected]