ابنة الشرق

أطلقت عليها وسائل الإعلام "طفلة الولايات المتحدة المدللة" بينما كانت بناظير بوتو رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة وزعيمة حزب الشعب الباكستاني العائدة الى بلادها بعد ثماني سنوات في المنفى الطوعي تفضل ان تسمى "ابنة الشرق" وهو الاسم الذي عنونت به كتابها الذي أصدرته في التسعينيات وشمل جانبا من سيرتها وآرائها السياسية والفكرية.

اضافة اعلان

الشرق الذي بقيت بوتو مصرة على الانتماء اليه رغم ما يقال عن الاحتضان الأميركي الغامض وفق المعادلة الباكستانية التي ازدادت تعقيدا وحساسية، تحديدا منذ الغزو الأميركي لأفغانستان، هذا الشرق هو الذي استقبلها بالمتفجرات وعبوات الموت والجثث المتناثرة على طول الموكب الممتد على أحد شوارع كراتشي العاصمة الاقتصادية للبلاد التي غصت بالبشر والجنود، ورغم التحذيرات المتوقعة من عملية اغتيال ورغم التحصينات الأمنية غير المسبوقة، إلا ان غريزة القتل والموت البارد، الذي حصد هذا العدد الذي تجاوز140 ضحية، بقيت ماثلة وغير قابلة لتفسير مقنع وتستدعي الاستفهام المحير؛ هؤلاء القتلة الذين يدركون ان هدفهم في الوصول الى الشخص المطلوب يعد مستحيلا، لماذا يلجأون الى القتل العشوائي المعبر عن غرائزية الغابة الأولى.

عودة بوتو بهذه الطريقة ترشح المشهد الباكستاني نحو المزيد من التعقيد والاضطرابات، في بلاد اعتادت على حكم العسكر والجنرالات المتحالفين مع الديمقراطيات الغربية الى جانب النفوذ الكبير للمضامين الدينية في مختلف تفاصيل وتعبيرات الحياة العامة، حيث لم تسلم هذه البلاد من دوامة الاغتيالات وتراث الصراع الدموي على السلطة جنبا الى جنب أشواق الديمقراطية والتحديث السياسي؛ فبعد ان حقق الجنرال مشرف  فوزاً كاسحاً في السادس من تشرين الأول في الانتخابات الرئاسية يبقى إعلان هذا الفوز أو التصرف على أساسه منقوصا وغير فاعل إلا إذا اعتبرت المحكمة العليا التي تسلمت طعوناً عدة من المعارضة ترشيحه والاقتراع شرعيين، وفي حال صدور قرار غير موات لمشرف لوحت أوساط رئيس الدولة بفرض الأحكام العرفية، وفي هذا الوقت من المفترض أن تبت المحكمة بشأن مرسوم أصدره مشرف أخيراً أعفى بموجبه بوتو المتهمة بالفساد أثناء تسلمها رئاسة الوزراء. وكان ذلك أول الشروط التي طرحتها بوتو لقيام تحالف بين حزب الشعب الباكستاني والحزب الرئاسي في الانتخابات التشريعية المرتقبة منتصف كانون الثاني 2008. ودون هذا التحالف، تعتبر فرص مشرف في الاستمرار في الحكم ضئيلة جداً، حينها تنتظر الباكستان سيناريوهات متعددة.

هذا التحالف يعد مطلبا أميركيا محسوما لاستمرار الباكستان في دورها المتقدم ضمن التحالف الأميركي في "الحرب على الإرهاب"، ولكنه يواجه بسيل جارف من التناقضات السياسية والصراعات التي تبدو في نهاية المطاف وكأنها تدار جميعها بمفتاح واحد، فالسيدة الباكستانية التي حكمت البلاد في رئاسة الحكومة لمرتين  1989 - 1993 ومن 1996- 1999 متهمة بقضايا فساد هي وزوجها تصل الى بليون دولار حيث وصفت صفقة العفو من قضايا الفساد من قبل منظمة الشفافية الدولية بأنها مناقضة لميثاق الأمم المتحدة ضد الفساد، في المقابل تقدم هذه السيدة أكثر الخطابات السائدة في البلاد ادراكا لكنه القضية الديمقراطية في بلادها التي حكمها عسكر الغرب على مدى ستة عقود.

عودة بوتو في هذه الظروف إلى كراتشي وما واجهته وقت وصولها من أحداث دموية متوقعة تجعل قضية الديمقراطية الباكستانية على طريق مجهول تتنازعها المصالح الدولية في منطقة من اشد مناطق العالم الجديد سخونة وحساسية، وصراع ثقافي واجتماعي داخلي حول القيم الكبرى للمجتمع والدولة، كما تتنازعها الأموال الغربية والعربية والتهديدات الإقليمية التي لا تتوقف.

حينما وصلت السيدة بوتو الى السلطة بطريقة ديمقراطية في مطلع التسعينيات وهي لم تنه بعد العقد الرابع من عمرها كأول امرأة مسلمة تصل الى الحكم في بلد يتجاوز سكانه المائة مليون نسمة، شكلت حينها بوتو ظاهرة تشحن أشواق جيل بأكمله من الشباب في العديد من مجتمعات الشرق الأوسط.

كانت بوتو آنذاك قصة مؤثرة تختلط فيها مشاعر النجاح والهوية والرغبة في إثبات الذات وهي تحمل لواء والدها الذي قتله الجنرالات الذين استولوا على السلطة، وعنصر الجاذبية الأكثر تأثيرا الذي تركته بوتو في جيلنا آنذاك حينما كنا نقرأ كتابها "ابنة الشرق" ذلك الإصرار على التمسك بالديمقراطية والتحديث وتقديس الحريات العامة؛ مع الإصرار على الالتزام الخالص في الانتماء الى الشرق؛ كان ذلك قبل قصص الفساد وقبل العلاقات المريبة وأشياء أخرى.

[email protected]