"اتفاق أوسلو" في ذمة الله

قبل أيام وفي الرباط تحديدا، التي جرى فيها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وبعد مضي خمسة عشر عاما على اتفاق أوسلو، صرح السيد سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، أن المجلس التشريعي الفلسطيني يسعى لكي يجتمع بكل الوسائل "لأنه يجب ألا ينتهي هذا العام إلا وقد تم الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس"، معتبرا أن اتفاق أوسلو مع إسرائيل "انتهى" والسبب هو عدم التزام إسرائيل به.

اضافة اعلان

وما يهمنا في تلك التصريحات تأكيد المسؤول الفلسطيني على أن "أوسلو انتهت"، بما فيها من إيجابيات وسلبيات. وبالتالي من اللازم العودة إلى القرار 181 الذي يعطينا 44 في المائة من أرض فلسطين، وكذا القرار 194 الذي يصر على عودة اللاجئين إلى كل أراضي فلسطين لأن مرجعيات 181 و242، التي حاولت كل من أميركا وإسرائيل تحويلها إلى مرجعية أوسلو قد انتهت.

إذن نعود إلى المربع الأول. ولنسر مسيرة طويلة مهما كلفنا ذلك من ثمن. وعلى الرغم أنّ هذا الحديث متأخر جدا إلاّ أنه جاء في توقيته إذ يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي غير معني بالسلام على الرغم من كل التنازلات التي قدمت له من قبل العرب والفلسطينيين على حد سواء، وان الحلول التي يقترحها بعض المسؤولين الفلسطينيين والعودة إلى خيار الدولة الديمقراطية على أرض فلسطين التي تضم المسلمين والمسيحيين واليهود والقبول بأن تكون هذه الدولة فدرالية!

بحسب ما يرى الزعنون، فإذا كان لليهود 40 في المائة فليكن لهم نفس العدد في البرلمان، وإذا كان للمسيحيين 5 في المائة فلتكن لهم نفس التمثيلية البرلمانية. وإذا كان للفلسطينيين 55 في المائة فليكن لهم كذلك، وبذلك تحل هذه الفكرة المشكلة بحسب ما يرى الزعنون. قد يبدو ذلك تصورا طوباويا ولا يخلو من التمنيات والأحلام  في عالم النوم والتمني وليس في عالم السياسة وخصوصا إذا تعلق الأمر بتعامل مع قوة تحتل وطنا وتنكل يوميا بأهله؟ فهل يمكن قبول هذه الأحلام في زمن المقاومة والحقيقة أن المقاومة هي التي تفرض شروطها فيه وليس التمني والتفاوض!

ونحن نعلم أن اتفاق أوسلو قد ساهم في تغييب القضية الفلسطينية في العالم. وفي ذلك السياق نعود إلى الوراء قليلا لتأكيد مقولات الراحل المفكر إدوارد سعيد في مقدمة كتابه "نهاية عملية السلام، أوسلو وما بعدها" بأن اتفاق أوسلو هذا وفّر للإسرائيليين وأنصار إسرائيل شعوراً بأن المشكلة الفلسطينية قد حُلّت إلى الأبد، كما أعطى الليبراليين شعوراً بالإنجاز، خصوصاً مع الهجوم الذي يتعرض له "السلام" من ليكود وحركة الاستيطان. وهذا بدوره جعل من المرفوض أن يعبر الفلسطينيون عن أي شيء سوى التقدير لما قدمه لهم اتفاق أوسلو وما قدمه كلينتون ورابين وبيريز، على رغم أن البطالة في غزة وصلت إلى ستين في المائة، فيما برهن إغلاق الضفة الغربية وغزة على أن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي لم تشهد أي تغيير.

وعندما سئل إدوارد سعيد عن البديل كان جوابه أن البديل كان موجوداً منذ البداية: إنهاء الاحتلال وإزالة المستوطنات وإعادة القدس الشرقية وحق تقرير مصير حقيقي ومساواة حقيقية للفلسطينيين. وهو لا يعترض على السلام الحقيقي والتعايش الحقيقي، فهذا هو ما يتحدث عنه منذ عشرين سنة، ولكن ما يعارضه وتعارضه غالبية الفلسطينيين هو السلام المزيف واللامساواة المستمرة بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين، الذين يسمح لهم بالسيادة وسلامة الأراضي وتقرير المصير فيما يحرم أصحاب الأرض الحقيقيين ذلك.

وبعد ذلك كله، فإن تلك العقول العظيمة التي رضخت للضغط الإسرائيلي، وأقنعها معسول الكلام بأن عليها أن تعتقد أنها منحت هبة كبيرة عندما اعترفت بها إسرائيل، هذه العقول غير قادرة وستبقى غير قادرة على قيادة معركة استرداد الحقوق الفلسطينية. وهذا ما يمكن أن يراه الأطفال أنفسهم، ويضيف إدوارد سعيد قائلاً بأن ما يحيره هو العدد الكبير من المثقفين ورجال الأعمال والأكاديميين والرسميين الفلسطينيين الذين يصرون على توهم أن عملية السلام في مصلحتهم ومصلحة شعبهم، ويواصلون أيضاً إعطاء ولائهم وخضوعهم للسلطة الفلسطينية، على رغم أن هذه، في أفضل الحالات، تقود شعبها على الطريق الخاطئ تماماً، وفي أسوئها تفرض الاحتلال الإسرائيلي بتحريض من قادة إسرائيل الذين اقنعوا أنفسهم وأنصارهم بأن هذه "عملية سلام" حقيقية.

أهي قضية فساد؟ أم جشع؟ أم انعدام كفاءة؟ أم أنها الغباء الأخلاقي؟ عندما تقنع نفسك والآخرين بأنك تخدم مصالحك، حتى عندما تواصل حياتك سجيناً؟ ومهما كانت الاستراتيجيات الذكية المخططة للاستعمال في مجلس الأمن والجامعة العربية، ومهما تصاعدت الحدّة البلاغية، فلا مجال لتلاقي السؤال عن كيف لقيادة كهذه أن تستمر بعدما تخلّت عن شعبها وتاريخه لمصلحة هذه الحفنة من الوعود الكاذبة؟

[email protected]