اجتياح الأقصى.. ما الجديد؟!

تتركز الأخبار هذه الأيام على اجتياح المستوطنين اليهود المتكرر للمسجد الأقصى المحتل. ويشعر العرب والمسلمون بتجدد الغضب الذي ينام أكثر مما يصحو. والغضب المقصود لا يجد لنفسه تعبيراً سوى أكل المرء نفسه، وأحياناً تقديم احتجاجات كلاميّة لدى الهيئات الدولية المجرّبة تماماً عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. ويتساءل المرء أخيراً عما هو الجديد في اجتياح المحتلين باحات "الأقصى"، عندما يكون "الأقصى" كله وما حوله وأبعد حتى آخر شبر من فلسطين، محتلة جميعاً. وكيف انخدع وعينا إلى حد التكيف مع واقع الاحتلال كله، بحيث يكون دخول بضع مئات من المستوطنين أسوار المسجد المقدس حدثاً منفصلاً عن سياقاته وسبباً في إهمالها!اضافة اعلان
من الطبيعي أن ينطوي قيام أحد ما بسبي "العروس" ووجودها في مخدعه، على احتمال شبه أكيد بتعرضها للاغتصاب. ولا يُعقَل أن يتوقع أحد غير ذلك، ما دام قد فرّط بواجب حمايتها، أو أفضت به أيّ ظروف إلى عجزه عن استعادتها بأسرع مما يتيح للغازي الاسترخاء والتسرّي بما امتلكت يمينه. ولعل السبب الوحيد المعقول لعصيان المنتصر نوازعه السادية، هو الخوف من الانتقام. عندما يسبي الغازي ويأسر، فسيفكر قبل إيقاع الأذى بسباياه وأسراه، فقط إذا كان له سبايا وأسرى لدى الآخرين يخاف عليهم نفس المعاملة، أو أن يتوقع سوء الحساب قريباً حين تدور عليه الدوائر ويحل الموتورون في دياره غداً أو بعد غد.
الحقيقة التي لا يريد معظمنا أن يطالعها: إنهم يجتاحون "الأقصى" لأن فلسطين محتلة. لكنّ الهوان يدفع المهزوم إلى التعلق بالجزئيات والتعامي عن الكليات. وفي الحالة الفلسطينية، أصبح الخطاب متطامناً بقدر تصعير صاحبه خدّه: "إلا فلسطين"، ثم "إلا القدس"، ثم "إلا الأقصى". ولن يُعنى عدوك بصراخك المقهور إذا كان قد أتاكَ أصلاً ليجد كل الأسباب ليقهرك. وسيظل عاكفاً على إهانتك حتى قذالك، إلى أن ترفع يديك في تسليم أخير بالعجز اليائس.
الآن، نتحدث عن نصرة "الأقصى" في معزل عن نصرة فلسطين. ونصرة فلسطين تعني أول ما يكون عدم التفريط بفكرة فلسطين. وفي الحقيقة، لم يعد أحد يطالب "المجتمع الدولي" بفلسطين –حتى أنّ أحداً لم يعد يعرف ما هي "فلسطين" المقصودة. ولم تتسن للعرب الرسميين الفطنة –سذاجة أو لؤماً- للحفاظ على فكرة فلسطين العربية تاريخياً، حتى بالخطاب والمطالبة القانونية. فيما كان أبرع ما صنعه عقل العدو -الذي لا نريد التعلم منه وعنه، في تعالٍ إبليسيّ- هو أنّه اختزل القضية الفلسطينية أخيراً إلى حدّ "الزعل" العربي والإسلامي، الذي لا يحترمه أحد، من دخول المستوطنين الحرم القدسي والرقص التلمودي داخل السور. كما اختزل العاطفة الإسلامية، والعربية، والفلسطينية إلى درجة من بلادة الحس، وكأنها تقول للغزاة: سبيتم وأسرتم، حسناً. اقتلوا الأولاد وأبقوا على حياة البنت؛ ثم، خلوا البنت عندكم ولكن لا تنزعوا ملابسها؛ ثم انزعوا ملابسها ولكن لا تمسّوها، وليس لنا عندكم غير الرجاء. وبعد؟!
انتهاك حرمة "الأقصى"، يتزامن مع، ويشتت الانتباه أيضاً عن إعلان العدو استمرار الاستيطان ومصادرة فلسطين –حتى أننا نشكّ بأن فلسطين مصادرة كلها أصلاً! مع تجويع غزة وتركيع الضفة؛ مع جرّ القيادات الفلسطينية بلا حول إلى أي زاوية ضيقة يريدها العدو. وإلى جانب ذلك، أصبح مقبولاً أن يوصف الفلسطينيون بالإرهاب، بينما يُروَّج سلوك المتطرفين الدينيين في "الأقصى" وغيره كدفاع عن النفس واستعادة للحق. والحقّ أن المستوطن المتطوّس كان ليتواضع ويفكر في المكسب والخسارة من المساس بمقدسات الغير، لو ظنّ أن لفعلته ثمنا حتميا ما، سيترتب عليه دفعه. ولم يكن من المستحيل في الخبرة الفلسطينية أن يسير الغزاة الغاصبون خائفين وهم يتلفتون حواليهم، كما ينبغي لأي غاصب. وليس من الصعب التفكير في سبل تجبر مؤسسة الاحتلال نفسها على ردع مستوطنيها بدل تسهيل مهمتهم، خوفاً من عواقب.
هذه الأيام، تدعو شخصيات فلسطينية وعالمية، مثلاً، إلى انسحاب الفلسطينيين من المفاوضات كخطوة ينبغي أن تُقلق العدو وتجعله يعيد النظر قليلاً في سياساته الاستفزازية. ولمَ لا؟ ثم البحث عن صيانة شرف "الأقصى" بما يحفظ الشرف عادة: أن يجد الغاصب سبباً للرعب من مغبة الاغتصاب.

[email protected]