الأخطر يأتي بعد الانتخابات !

    المشهد اللبناني في اللحظة الراهنة ليس مشهدا سياسيا، لأنه لا يحمل للمراقب أية إضافة تتجاوز ما يمكن أن يراه أي زائر لأي سوق لشراء أية سلعة عادية. فبعد الانسحاب السوري من لبنان، وبعد عملية "الهيكلة" التي تمت في الأجهزة الأمنية، لم يبق على أجندة "المعارضة اللبنانية" غير الانتخابات البرلمانية.

اضافة اعلان

    وفي هذه اللحظة انتقل الجميع إلى السوق، وبدأت الصفقات تسيطر على مجريات الساحة، وأخذ النشاط المحموم يتركز على "التحالفات" التي يسعى إليها كل طرف من "المعارضة" و"الموالاة" على حد سواء، لضمان الوصول إلى ما يؤمن له حصة في الكعكة المنتظرة بعد الانتخابات.                                               

     يؤكد هذا التوصيف ما اتضح من حيث عدم وجود برنامج سياسي واضح، سواء لدى المعارضة أو لدى الموالاة. وربما لأن الأمر كذلك، تصدعت الجبهتان بسرعة، وترك الانطباع بأن عقديهما انفرط أكثر من مرة، وما زلنا حتى الآن نسمع عن تحالفات تعقد وتحالفات تنفرط أو مهددة بالانفراط. وستظل عمليات الاصطفاف مستمرة. وحتى موعد إجراء الانتخابات المقرر اليوم 29 أيار، سيظل هذا المشهد يتكرر على نحو أو آخر.                   

    لكن الظاهرة الأبرز التي سيطرت على حديث الصفقات والتحالفات والاصطفافات كانت ذلك النفس الطائفي، الذي جعل حتى الذين تصورنا أنهم غادروا في الحقبة السورية نزعتهم الطائفية عادوا إليها أو عادت إليهم، أو لعلها لم تفارقهم يوما ولكن شُبه لنا! ذلك هو ما يثير القلق في ظروف احتمالات التدخلات الخارجية المفتوحة على كل الاحتمالات.                       

     لقد كان اغتيال رفيق الحريري شرارة أشعلت العشب في السهل كله، وانتهت بالخروج السوري من لبنان تحت الضغط الدولي، الذي تمثل في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، لكن المعارضة اللبنانية تصورت وصدقت، ولا تزال، أنها هي وبقواها الذاتية أخرجت السوريين، في وقت يعرف فيه الجميع أن أميركا على وجه التحديد هي التي فعلت ذلك، وهي تريد من الانتخابات أن تلعب دور الرافعة لأجندتها الخاصة، وليس لأية أجندة لبنانية.

     أحد الأدلة على هذه الحقيقة ذلك الاختلاف والتعارض اللذان برزا في موقف كل من أميركا والمعارضة اللبنانية من قانون الانتخابات لعام 2000، الذي ستجري الانتخابات وفقا لمقتضياته. فبينما أصر الأميركيون على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، في نهاية أيار الحالي، دون إعطاء أية أهمية للقانون الذي ستجرى على أساسه، ظلت المعارضة اللبنانية تطعن حتى الآن في القانون، بالرغم أنها قبلت به.

    كذلك، لا يمل مسؤولو الإدارة الأميركية من تكرار أن تكون الانتخابات "حرة ونزيهة وشفافة وبعيدة عن أي تدخل خارجي"، في وقت يعرف فيه الجميع حجم التدخل الأميركي في تفاصيل الوضع اللبناني، وكأنهم يقولون إن لهم وحدهم الحق في التدخل في هذه الانتخابات، وسيفصلونها على مقاس أجندتهم الخاصة.                                                  

    الآن وفي غمرة الاستعداد لتقاسم كعكة السلطة المقبلة، خفت إلى حد كبير صوت المطالبين بتطبيق البنود اللبنانية في القرار 1559 التي تصر عليها الإدارة الأميركية والحكومة الفرنسية أيضا، وهي "نزع سلاح المليشيات"، أي نزع سلاح حزب الله وسلاح المخيمات الفلسطينية. والسؤال الماثل في خلفية هذه الصورة هو: ماذا بعد الانتخابات؟                            

    أهمية الانتخابات في لبنان اليوم تتمثل في مسألة واحدة، أنها ستحدد شكل ونوع السلطة الجديدة فيه. فإذا ما تحقق ما تخطط له الإدارة الأميركية، والمعارضات اللبنانية المستندة إلى الدعم الأميركي، تصبح مسألة نزع سلاح حزب الله، وكذلك سلاح المخيمات، قضية ملحة ومطروحة بشكل فوري. وليس في الأفق السياسي ما يمكن أن يقنع حزب الله بأن يسلم سلاحه بشكل طوعي وفورا.

    في البداية، قالت المعارضة اللبنانية إن حزب الله ليس مليشيا، ثم قالت سلاح حزب الله مسألة لبنانية داخلية. اليوم أصبح هناك من يقول إن هذا السلاح هو قضية إقليمية. أما القرار 1559 فهو يراه منذ البداية قضية دولية.. فإذا تشكلت السلطة الجديدة، وأصرت على نزع سلاح حزب الله، وإذا ما رفض حزب الله نزع سلاحه، وهو أمر متوقع، فإن الحرب الأهلية تصبح على بعد خطوتين صغيرتين.. وهذا هو الأخطر الذي يجب أن لا يقع.