الأردنيون لا يأبهون بالإصلاح السياسي!

لا مفاجآت تذكر في استطلاع الرأي العام على تشكيلة حكومة سمير الرفاعي، الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية. فقد حافظت الحكومة على المستوى الذي حققته الحكومات السابقة (عند التشكيل)، ومنحها الرأي العام درجة تزيد قليلاً على علامة النجاح، بانتظار أعمالها، بالرغم من التقارير الإعلامية غير المسبوقة التي هاجمت تركيبتها الحالية.

اضافة اعلان

المفاجأة الحقيقية واللافتة، التي تستدعي منّا جميعاً التوقف عندها مليّاً، هي موقع الإصلاح السياسي لدى الرأي العام الأردني، إذ إنّ الأغلبية العظمى لا تعتبره أولوية للحكومة ولا تأبه به، بل منحته علامة 1 % فقط، من ضمن أولوياتها، وفي المراتب الأخيرة جداً!

الجواب البدهي على تجاهل الرأي العام الأردني للإصلاح هو عجز قادة الرأي العام والنخب السياسية والمثقفة عن جعل الإصلاح السياسي مطلباً وطنياً يحظى بالاهتمام والأولوية لدى الرأي العام. لكن الكارثة، أقول الكارثة، التي يكشفها الاستطلاع، تكمن في أنّ قادة الرأي أنفسهم لا يأبهون هم، كذلك، بالإصلاح السياسي، إذ لم يجعلوه من ضمن أولويات الحكومة، ومنحوه فقط 5 %.

لا نتحدث، هنا، عن استطلاع هامشي، بل عن استطلاع رئيس يعده مركز الدراسات الاستراتيجية، وعن عينة لقادة الرأي تصل إلى (628) شخصية من أصل (700)، إذ رفض البقية الإجابة، وهي عينة كبيرة نسبياً ومعبّرة بالمقارنة بعدد السكان.

بالطبع، لا تختلف الحال في موقع الإصلاح السياسي في هذا الاستطلاع عن الاستطلاعات السابقة عموماً. ربما نعزو انخفاض موقع الإصلاح السياسي على قائمة أوليات المواطنين والنخب سابقاً للاختلالات التي أصابت مساره وللنكسات التي مني بها في السياسات والتشريعات الرسمية، وفقدان الموقف الرسمي للمصداقية الشعبية.

لكن اليوم، الفرق الكبير أنّ هذا الاستطلاع يأتي مع حكومة محمّلة بكتاب تكليف ملكي يضع على مسؤوليتها صراحة وبوضوح اعتبار الإصلاح السياسي أولوية ومكلّفة  بتعديل قانون الانتخاب وإجراء انتخابات اللامركرية والنيابية وإحداث نقلة نوعية في المشهد السياسي!

المفارقة تبدو بصورة أكثر وضوحاً، أنّ المناظرات والسجالات الصاخبة والمعارك الإعلامية، التي قامت مؤخراً على خلفية تعديل قانون الانتخاب والمحاصصة السياسية، والصدى الواسع، الذي حظيت به الآراء والتقارير، كل ذلك لم يجد له أي انعكاس يذكر في استطلاع الرأي، لا لدى العينة الوطنية ولا لدى قادة الرأي!

هل تعيش النخب السياسية والإعلامية في "جزر معزولة" عن الشارع؟ هل عشرات المقالات التي تكتب عن الإصلاح السياسي ومئات التعليقات والتعقيبات لا تمس العصب الحساس لدى الشارع العام، ولا يلتفت إليها؟!

ثمة مشكلة حقيقية، بلا شك، في "الاغتراب السياسي" لدى المواطن، وفي "الاغتراب الشعبي" لدى النخبة السياسية، والاستطلاعات تشهد على غلبة مطلقة للهم الاقتصادي على أي اعتبارات أو شؤون سياسية، سواء كانت داخلية أم خارجية.

عدت إلى د. محمد المصري (معد الاستطلاع) لمناقشة الموضوع، وبرأيه أنّ تراجع موقع الإصلاح السياسي، بالرغم من تضمنه لكتاب التكليف السامي، قد يعود بدرجة رئيسة إلى أنّ "المزاج العام" في البلاد متخوف كثيراً من الوضع الاقتصادي، ويلتقط الرسائل والإشارات المختلفة أننا مقبلون على مرحلة صعبة بهذا الخصوص، بخاصة مع تراجع ملحوظ وواضح في المساعدات المالية العربية.

وبرأي د. المصري، أنّ الحالة هذه قد تتغير في حال اقتربت الانتخابات النيابية، كما حصل في مرات سابقة. بالرغم من ذلك، وحتى في تلك الأمثلة التي يستدل بها المصري، فإن درجة الاهتمام بسؤال الإصلاح السياسي بقيت متراجعة وضعيفة جداً، مقارنة بالقضايا الأخرى.

المسألة برمتها تستدعي النظر والتفكير. فبلا شك أنّ الثقافة الشعبية العربية تمنح الأمن والخبز درجة أكبر من الأهمية في الاهتمام والتفكير من الديمقراطية وحقوق الإنسان، جراء الخبرة التاريخية والموروث الثقافي القديم والمعاصر، لكن هذا لا يفسر غياب الإصلاح السياسي تماماً عن أولويات الناس، أو حتى عدم شعورهم اليوم تحديداً بضرورته بالرغم من كل الكوارث السياسية والفساد المستشري في النخب الحاكمة العربية!

هل هي نتيجة مخيبة ومحبطة؟ ربما، لكنّها واقعية!

[email protected]