الأردن وإدارة أزمة "المياه المشتركة"

لا بد من ابتداع طرق للحوار مع الدول الشقيقة وربما طلب التحكيم العربي والاقليمي

وحدهم المتابعون لموضوع المياه المشتركة مع دول الجوار، يدركون حجم الجرح في الكف الاردني، وآلام العض عليه بين دولة لا تعنيها المواثيق والأعراف الدولية ولا حتى الاتفاقيات الثنائية، ودول لم تنظر باهتمام كاف لدولة شقيقة، هي من بين الدول العشر الافقر مائيا في العالم، حصة الفرد السنوية فيها 140م3 مقابل متوسط عالمي يبلغ 1000م3.

اضافة اعلان

في وقت مبكر من ستينيات القرن الماضي، حولت الدولة العبرية نهر الاردن لخدمة مشاريعها الزراعية والاستيطانية في النقب، وسرقت حصة الاردن منه المقدرة حسب خطة جونستون بـ 100 مليون م3 تاركة الامتداد الاردني للنهر ترعة مالحة ومصرفا لبعض مياهها غير الصالحة، ومخلفة كارثة بيئية في البحر الميت بعد ان فقد مصدر تغذيته الرئيسي. وبعد ان حاذت نهر اليرموك اثر عدوانها عام 1967 حفرت بركا وآبارا تضخ منها المياه الى المزارع التي اقامها المستوطنون في الجولان المحتل. وبالإضافة لذلك تأخذ حاليا حصتها كاملة من اليرموك حسب اتفاقية السلام والمقدرة بـ 25 مليون م3.

الشراكة في مياه اليرموك مع الشقيقة سورية نظمت ابتداء بحسب الخطة الموحدة (جونستون 1955) لتكون حصتها 121 مليون م3 وحصة الاردن (الضفة الشرقية) 296 مليون م3. ولما لم يعد يصل الاردن سوى نصف حصته اضطر الى عقد اتفاقية جديدة مع الشقيقة سورية عام 1987 تنازل لها بموجبها ودونما مبرر عن 90 مليون م3 لتصبح حصتها 211 مليون م3، وحصة الاردن حوالي 200 مليون م3.

الا ان الاشقاء اقاموا بعد ذلك 37 سدا تتسع لـ 211 مليون م3 بدلا من 25 سدا بسعة 156 مليون م3 حسب الاتفاقية، وربطوا السدود بقنوات لضمان امتلائها جميعا، وحفروا اكثر من 2000 بئر ارتوازي، وزرعوا المناطق تحت 250م عن سطح البحر حيث تبدأ حقوقنا المائية. وهذا ما ترك سد الوحدة فارغا حيث بلغ معدل ما وصله في السنتين الماضيتين اقل من 10 مليون م3.

حوض الديسة المشترك مع الشقيقة السعودية شهد استغلالا مكثفا من قبلها خلال الثلاثين سنة الماضية، حتى وصل معدل سحبها السنوي ذروته منتصف التسعينات بنحو 1000 مليون م3. واكتفى الاردن خلال هذه الفترة  بسحب نحو 70 مليون م3 غالبيتها العظمى لما يعرف بمزارع الجنوب التي تم تأجيرها للقطاع الخاص لمدة 25 عاما تنتهي في عام 2011. وتمت اعاقة مشروع مياه الديسة الذي يعتزم الاردن تنفيذه ليروي ظمأ الناس، فاضطر الاردن للبحث عن مصدر تمويل للمشروع بعد ان اعتذر البنك الدولي عن تقديم القرض المطلوب.

مصر بدورها أبدت حرصا مبالغا فيه وغير مبرر على الاثار البيئية لمشروع قناة او ناقل البحرين، وقيل في رواية أخرى إنها خشيت على سياحتها حول البحر الاحمر فأشارت على الاشقاء الفلسطينيين مشاركتها في التحفظ على المشروع كطرف مشاطئ للبحر الميت، وهكذا كان مما اخر البدء بدراسة المشروع ثلاث سنوات.

حتى الوديان التي تجري في بعض الدول الشقيقة باتجاه الحدود الاردنية جرى حصاد مياهها في نهاية التسعينات وحرمت باديتنا منها.

صورة كهذه توضح حجم التحدي المائي الماثل امام دول المنطقة، والعبء الذي تتحمله جراء ذلك. والاردن الافقر مائيا بين دول المنطقة يصل التحدي امامه الى ذروته، فلم يعد يفيده بعد الان الاستمرار في العض على جرحه. فلا بد من البحث عما يسعفه في التخفيف من ألمه وابتداع طرق للحوار مع الدول الشقيقة، مع الاستعداد لنقل الحوار الى ساحة الجامعة العربية، وربما طلب التحكيم العربي والإقليمي، والتفكير بطلب منح عربية لتمويل مشاريعنا للحصاد المائي كتعويض عن حصص مائية تم التنازل عنها او الاستيلاء عليها.

الحال كما هو باد عليه لا بد ان يلقي عبئا ثقيلا على إدارة قطاعنا المائي فيما هو متاح بين يديه داخليا، ومسؤوليات استثنائية للالتفات الى تحسين كفاءة الادارة، ورشاد استخدام المياه وتعظيم الحصاد المائي بكافة اشكاله ليكون أولوية للحكومة وواحدا من الاهداف الاستراتيجية للدولة، والبدء بتحويل الزراعة في وادي الاردن والمرتفعات إلى الري بالتنقيط في فترة لا تتجاوز عشر سنوات بتمويل حكومي ميسر، واشتراط زراعة نسبة محددة من الاراضي التي تروى من المياه الجوفية بالحبوب والأعلاف.  

[email protected]