الأزمة العراقية واحتمالات المستقبل

جاءت الانتفاضة السُنية والتي كان من أبرز معالمها تبوؤ "داعش" المشهد العسكري ليؤذن بنهاية العملية السياسية والنظام السياسي الذي ساد بالعراق منذ نهاية الاحتلال الأميركي والخروج النهائي للقوات الأميركية. منذ البداية، فان النظام الحالي الذي جاء بعد الاحتلال يعاني من اختلالات واضحة، إذ كانت الغلبة السياسية للقوى السياسية الشيعية (حيث كانت الرابح الأكبر) والقوى السياسية الكردية والتي هي أيضاً استفادت من انهيار النظام السابق، والقوى السياسية الممثلة للمناطق السُنية وكانت الحلقة الأضعف في المعادلة. الاختلال الكبير الذي حدث بهذه المعادلة هو محاولة التفرد بالسلطة من قبل القوى السياسية التي يقودها المالكي، والمحاولة المستمرة للانتقام من السُنة وإخضاعهم والسيطرة عليهم.اضافة اعلان
استمر هذا الوضع لسنوات والتي عانت خلالها مناطق كثيرة من التهميش السياسي والاقتصادي، ولكن  كانت المناطق السُنية وقياداتها أكثر عرضة للتهميش والإخضاع من الأطراف أو المناطق الأخرى. في بداية هذه المرحلة قبلت القيادات السُنية هذه المعادلة على مضض، ولكن مع مرور الوقت، ونتيجة لسياسات الحكومة المركزية التي تم الإشارة اليها، فقد فقدت القوى السُنية ثقتها بالعملية السياسية على آمل تجاوز الحالة الطائفية السائدة في المستقبل.
ولكن لم تجرِ الرياح كما تشتهي السفن، ولم تنجح الحكومة المركزية في أن تكون حكومة لكل العراقيين، وتفاقمت الأحوال السياسية والمعيشية للمناطق السُنية، وحدث ما يشبه الانتفاضة في المناطق السُنية، ولمدة أشهر سبقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
لذلك، فإن الانتفاضة المسلحة التي يتسيد مشهدها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بمشاركة تنظيمات وجماعات سُنية مختلفة، تضع العراق في مهب أزمة سياسية جديدة قد تترتب عليها تداعيات كبيرة وخطرة على العراق والمنطقة، ولكن أيضاً قد تكون بداية لإعادة ترتيب البيت الداخلي العراقي على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت المعادلة السياسية حتى الآن.
في مستقبل العراق، يتحدث البعض عن سيناريوهات عديدة محتملة منها الحرب الأهلية، وتقسيم العراق إلى دويلات طائفية. وبالرغم من أن احتمالية استمرار الصراع العسكري وتوسعه واردة، إلا أنه- في نهاية المطاف - سيكون هناك حلّ سياسي، إما بالتوافق أو من خلال بسط أحد الأطراف سيطرته على الأطراف الأخرى، والذي قد يوقف الصراع الدائر، ولكنه لن ينهيه، وهناك سيناريوهان لإنهاء الأزمة السياسية في العراق:
السيناريو الأول؛ تقسيم العراق الى ثلاث دول ويمثل أحد الاحتمالات المطروحة لإنهاء الأزمة. وبالرغم من وجود من يدعم هذا السيناريو، إلا أنه يعاني من صعوبات في تنفيذه من قبل بعض القوى السياسية من مختلف المكونات العراقية، ولكن لايقل أهمية عن المعارضة الداخلية المحتملة هناك قوى إقليمية سترفض هذا الخيار، وتقاومه، وبخاصة فيما يتعلق بإقامة دولة كردية في شمال العراق.
أما السيناريو الثاني؛ فيتمثل بإقامة نظام سياسي فيدرالي في العراق يحافظ على وحدة وتماسك العراق كدولة ومجتمع وفي الوقت نفسه يعطي درجة من الاستقلالية واللامركزية في إدارة شؤون المناطق والمكونات المختلفة. بالطبع سيكون هناك من يعارض هذا الخيار كونه أيضاً لايوجد نظام عربي فيدرالي يمكن القياس عليه، ولكنه قد يكون الخيار الوحيد الذي ينهي الأزمة العراقية ويحفظ مصالح الجميع في العراق.
إن الانتفاضة السُنية الجارية في العراق اليوم هي عملية بالغة الأهمية، وتنطوي على مخاطر كثيرة أيضاً، ولكنها انتفاضة على "نظام مابعد الاحتلال الأميركي". من الصعب التكهن حول الكيفية التي ستنتهي بها الأزمة، ولكن المؤكد هو أنه لن يكون هناك عودة لنظام ما قبل الانتفاضة ولن تعود السُنّة للانخراط في العملية السياسية، إلا إذا تم تغيير قواعد اللعبة السياسية السائدة في العراق، وشعرت بأن لها جدوى. الخيارات في العراق محدودة فإما التقسيم، أو الحكم الفيدرالي، أو الحرب الأهلية طويلة الأمد.