الأسئلة المفقودة!

بعيداً عن أجواء احتفال الإسلاميين العرب وأنصار أردوغان لدينا بانتصاره، أو الشعور بخيبة الأمل لدى أنصار النظام السوري أو خصوم حزب العدالة والتنمية؛ فإن من الضروري إعادة التفكير بهذه التجربة عربياً، بدلاً من القفز إلى الرهانات من موقع المتفرّج أو المشجّع أو المراهن، لنطرح السؤال الأكثر أهمية: لماذا فشلنا عربياً في الوصول إلى هذه النقطة؛ تداول سلمي للسلطة، وانتخابات ديمقراطية تحسم المعركة بلا دماء وأشلاء أو قتل على الهوية أو تكفير وتخوين متبادلين؟اضافة اعلان
على صعيد الإسلاميين، فإن المقارنة بين التجربتين غير صحيحة، لأنّ حزب العدالة والتنمية قطع شوطاً كبيراً؛ إيديولوجياً وسياسياً وفنياً، حتى وصل إلى هذا الاحتراف في اللعبة الديمقراطية، وليتجاوز عنق الزجاجة التاريخي التركي الذي منع أيّ حزب إسلامي أو ذي خلفية إسلامية من الوصول إلى الحكم والاستمرار فيه.
على الإسلاميين عندنا أن يعيدوا النظر في الأسباب الحقيقية وراء نجاح "العدالة والتنمية"، وفي مقدمتها وجود زعامة متميزة، وإنجاز حقيقي على الصعيد الاقتصادي والتنموي، واحتراف في إدارة اللعبة الديمقراطية، وفصل كامل للدعوي عن السياسي، وهي عوامل مهمة لتغيير شروط اللعبة السياسية في العالم العربي.
ومن المهم أن يدرك الإسلاميون أنّ التيار الذي يقود الحزب لم يكن ليصل إلى هذا المجد السياسي لولا القيام بعملية إعادة هيكلة كاملة لشعاراته وبرنامجه، ويتعلّم من أخطائه، بالرغم من أنّ الأحزاب الإسلامية التي سبقته عانت الأمرّين خلال عقود طويلة من حكم العسكر وفساد السياسيين.
على الجهة الأخرى، فإن على خصوم التجربة أن يزيدوا من حجم خيبة أملهم من الانتخابات، وهم من راهنوا على سقوط النموذج الجديد داخلياً، وسياسات تركيا ضد الأسد خارجياً؛ لأنّ المقارنة بين أنظمة توتاليتارية وسلطوية تدعمها وتبرر لها ما تقوم به بذريعة الممانعة أو الأمن أو الوحدة وبين التجربة التركية، هي مقارنة غير منطقية، وليست في صالحهم مطلقاً!
ماذا لو أعدنا صوغ النتيجة عبر سؤال افتراضي آخر: لو أنّ العسكر لم يقوموا بالانقلاب على العملية الديمقراطية في مصر، وأجريت الانتخابات التالية وسقط "الإخوان" فيها، واستمر مشوار الثورة، هل كانت مصر ستصل إلى الوضع البائس الحالي، الذي رأيناه في الانتخابات الهزيلة الأخيرة التي لم تحدث حتى في زمن حسني مبارك؟!
الديمقراطية في تركيا ليست ناجزة بعد، وهناك مسار مهم وتحولات مفصلية ما تزال أمامها. لكنّها قطعت شوطاً رئيساً، وحققت شروطاً جوهرية في المسار الجديد، عبر القبول بنتائج صندوق الاقتراع والاحتكام للشعب والجمهور، والقبول الحقيقي بالديمقراطية من قبل الإسلاميين والآخرين، وعدم الخوف من الانقلاب على نتائجها كما كان يحدث في العقود السابقة.
أما من يزالون -في المعسكر المحافظ- يراهنون على مستقبل السلطوية ويحذرون من الديمقراطية، فإنّ المقارنة بين الحالتين التركية والعربية نموذج مهم على نتائج ومخرجات وبدائل الخيارين؛ فالمسار الديمقراطي هو الوحيد الكفيل اليوم بتجنب الكوارث والويلات وإخراجنا من سيناريو الحروب الداخلية والدماء والطائفية والفساد والبدء بنحت مفاهيم جديدة في ثقافة الشعوب؛ مثل القبول بالتعددية والمواطنة والمساواة أمام القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة.. إلخ.
هل المشكلة في أنّنا شعوب غير ديمقراطية، لا يمكن أن تنتج أنظمة ديمقراطية، كما يحاجج تيار فكري وسياسي عربي؟!
للصديق ستيفان لاكروا (الباحث الفرنسي) رأي في ذلك؛ فالتجربة الديمقراطية الفرنسية الحديثة لم تكن وليدة الديمقراطيين، بل هي التي ولّدتهم، إذ كان هناك يمين محافظ ويسار شمولي وصراع اجتماعي- سياسي، لكن وصل الجميع، في النهاية، إلى ضرورة القبول بالتسويات السلمية والمدنية، وبالديمقراطية كتكنولوجيا لإدارة الصراع الداخلي سلمياً!