الأسد "إنسان" أليف!

..فهل شاهدَهُ أحدُكم يغسلُ كفيْهِ من دمٍ انتَشَر بكثافةٍ في مظاهرة عبثيَّةٍ بجمعة "الله معنا"، أو يُصلي ضعيفاً في محرابٍ مُعْتِمٍ يطلبُ العفوَ الإلهيَّ عن "خطيَّةٍ" حَمَويٍّ غادَرَ القبوَ الأمنيَّ بعِرْض مُتهتِّكٍ. لم يلحظه أحدٌ إلاَّ ضاحكاً (بدون سببٍ واضحٍ؛ لكنَّ تربيتَهُ "الحافظيَّةِ" تنفي أنْ يكونَ ضَحِكا من نوع قلة أدب!)، ودوداً كالطبيبِ مع المرضى التعِسين؛ إنَّه "أسدٌ" بالاسم الغابيِّ فقط..، فلو أمعنتَ النظَرَ في روحه لوجدْتَها بيضاءَ تشفُّ عن طيفِ "عمر أبو ريشة"!!
الأسَدُ إنسانٌ أليفٌ جداً يُلغي قانونَ الطوارئ بلا تردُّدٍ بعد 11 عاماً فقط من الحكم، ويمنَحُ الناسَ حقَّ التظاهر طالما هم يتجنَّبونَ المشيَ في الشوارع، ويكتشفُ أنَّ محكمة أمن الدولة العليا تقتصرُ رتبَة موظفيها بمختلف مسمياتهم على درجة شهود الزور (الذين يصدر فيهم مرسوم غير متداول يتحولون بموجبِهِ إلى مخبرينَ سريِّين)!
أسدٌ وديعٌ (لولا بعض المهابَةِ المفتعلَةِ لدى استقبال "نبيل العربي")، وسيمٌ (لولا عنقه الطويلة بلا معنى)، إيجابيٌّ (لولا كلمة واحدَةٌ يحفظها كما يُسمِّي الأطفالُ الصغارُ الأشياءَ باسم واحد، فيجيبُ عن كلِّ سؤال مباشر:المؤامرة!)!
لا تصدِّق ما يُقالُ عنه من بلادة الإحساس لديه؛ إنَّهُ ككلِّ الكائنات الحية (في الغابَةِ أو خارجَها)، يحسُّ وله حواس خمس فاعلة، وأخرى سادسة (يقتصرُ عملها على التحذير الاستباقي لمواعيد تحليق الطيران الحربيِّ الإسرائيليِّ فوق قصره) ونوبات حنين كالعشاق المُتْرَبين..؛ إنَّه الآن في لحظة وحدة طويلة يكادُ يبكي شعراً في قصره على الجبل الحصين، ينشدُ كأنَّه القائلُ: "قادمٌ من مدائنِ الريح وحدي، فاحتضني، كالطفل، يا قاسيونُ"!
رقيقٌ جداً هو الأسدُ، من فرط إحساسِهِ لم يَدْخُلْ يوماً إلى موقع "يوتيوب"، ولم يكتب في شريطِهِ العلويِّ المخصَّص للبحث:" شهداءُ الثورةِ السوريَّةِ"، فتتحرَّكُ أمامَهُ صورٌ نابِضَةٌ لرجالٍ يُقتلونَ بحرصٍ شديدٍ على الموت، فيَذْهَبونَ إليه باسمينَ أو عابسينَ، لا يتردَّدونَ خطوةً واحدةً نحوَ السماء، والتحول إلى مادَّةٍ فيلميَّةٍ عن افتراس البشَر للبشَر؛ لم يدفعه حتى الفضولُ حتى لقراءة التقرير اليوميِّ عن منسوب الموت، فالأسدُ الإنسانُ كما هي الأسودُ تماماً؛ لا تفضِّلُ لحْمَ الآدميين!
تجري الحياة من حوله يُتابِعها باسترخاءٍ كلَّ صباح على التلفزيون الرسميِّ، تطمئنه المذيعةُ المتصابيَةُ أنَّ الدمَ على وشَكِ النفاد، وعندها لنْ يكونَ لأحد رغبةٌ بالموتِ. تبتسمُ (إلى الزاوية التي تعتقِدُ أنَّهُ ينظرُ إليْها منها) ابتسامَةَ امرأةٍ تستجدي رجلاً بلا ظل، تجزمُ له أنَّ الأمورَ في طريق العودَةِ إلى نصابِها: "شعبٌ يحبُّ الله وسورية، ومؤمن أنَّ الأسد هديِّتُِهما" و..(تضحكُ بفجور خارجَ الكادر وتقولُ إلى كلِّ الزوايا: أو سيبقى الشعبُ على قسمته العادلة: موتى و"شبِّيحة"!)
الأسدُ إذاً إنسانٌ بريءٌ يُحِبُّ الناسَ (فلا هديَّةَ تضلُّ الطريقَ إلى المُهْدى إليه) لكنَّه لا يتذكَّرُ الأسماء، لم يسمع عن "غياث مطر": شاب راوَغَ الموتَ ثلاثَةَ أشهرٍ، ولما أدْرَكَ أنْ لا محالة سيَقعُ في كمين "الشبيحة" كتَبَ نداءه إليهم بخط شديد الارتباك:"أرجوكم دعونا نتظاهر فالوطن يتسعُ للجميع". ووقَعَ في الكمين مجرَّداً، شقَّ شبيحٌ بطنَهُ، وأرسلَ جثته إلى أهله فـ (الوطنُ يتسع للجميع؛ ثمة قَصْر وقَبْر!) وطلب من أهله أن يصنعوا من لحمه الطريِّ "شاورما"!

اضافة اعلان

لا شك إذاً أن الأسد إنسان أليف جداً..؛ فهل شاهده أحدكم يأكل لحم أخيه نيئاً!!