الارتباك الأميركي في ليبيا

ثورة ليبيا وضعت جميع التحركات العربية والدولية على المحك، وتسببت في حالة ارتباك لا أحد يدري بالضبط إلى أين ستصل الأمور.

أكثر مظاهر الارتباك برز في السياسة الأميركية إزاء الأحداث الجارية في ليبيا. وتمثل ذلك في تصريحات متناقضة صدرت عن كل من البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، قبل القرار الأممي بالحظر الجوي فوق ليبيا.

اضافة اعلان

التناقضات تحمل في طياتها إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لا تملك سياسة واضحة إزاء ما يجري في ليبيا. ففي الوقت الذي يبدي فيه الرئيس أوباما حماسة لرحيل العقيد معمر القذافي، تتردد وزارة الدفاع (البنتاغون) في الالتزام بأية خطوة عسكرية قد تفرضها التطورات اللاحقة، من منظور أميركي. وفي الوقت الذي تبدي فيه كل من باريس ولندن حماستهما للتدخل في الشأن الليبي عبر دعم الأطراف المعارضة للقذافي، يتحدث البنتاغون عن دور رئيس يفترض أن تلعبه أوروبا في أي تحرك عسكري ضد القذافي، معفياً الولايات المتحدة من أية التزامات ذات أهمية.

هذا الارتباك والتردد الأميركي يعود إلى التورط الأميركي في كل من أفغانستان والباكستان والعراق، وعدم رغبة كبار العسكريين بالتورط في مستنقعات عسكرية جديدة تتعارض مع رغبتهم في الخلاص من المستنقعات الحالية.

تفتقر الولايات المتحدة إلى الحد الأدنى من الثقة بالقوى السياسية التي تقف خلف التمرد على القذافي. وتتداول الأوساط الأميركية معلومات مقلقة للدوائر المختصة. فتلاحظ، على سبيل المثال، أن عدداً كبيراً من الليبيين تطوع "للقتال في العراق ضد الاحتلال الأميركي". وفي عملية حسابية بسيطة، تلاحظ هذه الدوائر أن عدد المقاتلين الليبيين، نسبة إلى سكان ليبيا، كانوا الكتلة الكبرى من بين المقاتلين العرب، وأن معظم هؤلاء عادوا إلى بلادهم. وتخشى الولايات المتحدة من أن يكون هؤلاء، حالياً، ضمن المتمردين على القذافي، الأمر الذي لا يطمئن الدوائر الأميركية المعنية، خوفاً من أن تتكرر تجربة الولايات المتحدة مع حركة طالبان، ومجموعات القاعدة التابعة لبن لادن.

وتتخوف الولايات المتحدة من مد المقاتلين المعارضين للقذافي بالسلاح لسببين اثنين: أولهما مدهم بالسلاح يعني إرسال خبراء لتدريبهم على استعمال هذا السلاح، أي نزول ضباط على الأرض الليبية، وهو ما تخشاه أميركا. أما السبب الثاني فهو عدم الثقة بأن هذا السلاح لن يستعمل يوماً ما ضد مصالح الولايات المتحدة نفسها. ويقول البعض إن واشنطن تعتقد أن في حديث القذافي عن مقاتلين لـ"القاعدة" بين الثوار بعضاً من الصحة.

وتتخوف الولايات المتحدة من أن تتورط في حرب ضد القذافي بعد أن قرر مجلس الأمن فرض حظر جوي على مناطق القذافي. وتقول واشنطن إن أوروبا لا تملك المعدات الكافية لتوفير شروط فرض الحظر، الأمر الذي سيلقي بمسؤولية تنفيذ القرار على كاهل الولايات المتحدة، وهو ما لا يرغب به البنتاغون، لأنه لا يريد أن يوسع دائرة عملياته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ما العمل إذن؟ البعض لا يخفي أن كلاً من فرنسا وبريطانيا تدرسان الخيارات البديلة، ومن بين هذه الخيارات القيام بخطوات متفردة وعلى عاتق الدولتين، من بينها: قيام طائرات فرنسية وبريطانية بتوجيه ضربات موجعة إلى الطيران الليبي الموالي للقذافي، وكذلك توجيه ضربات مماثلة لسلاح دباباته ومدفعيته، بما يضعف قدرته على مواصلة الزحف شرقاً لاسترداد المناطق التي خرجت عن سيطرته.

وتزويد المتمردين على القذافي بأسلحة نوعية تمكنهم من إحداث توازن بين الجانبين، بحيث تفقد كتائب القذافي تفوقها العسكري على الأطراف الأخرى.

وكذلك شل عمل آليات القذافي من خلال ضرب مستودعات الوقود ومصادرها، التي تزوده بحاجته لأعماله القتالية، إما جواً أو بحراً، بحيث يفقد القذافي القدرة على التحرك، وبما يمكن الثوار من استعادة المدن التي خسروها، وصولاً إلى محاصرة طرابلس وفرض الاستسلام على العقيد الليبي.

[email protected]