الانتخابات الأميركية: "الطمأنينة" لا البرامج

ربما لا يكون من المبالغة القول إن حالة عدم الحسم التي صبغت، حتى الآن، الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية، من جانب المتنافسين الديمقراطيين هيلاري كلينتون وباراك أوباما، على وجه الخصوص، تقدّم صورة مهمة عن واقع الولايات المتحدة اليوم، وعن الهواجس والمشاعر التي تعتمل في نفوس مواطنيها تجاه بلدهم- الإمبراطورية. هذه الصورة تنطوي على ملامح الترقب والتوجس والارتباك والتردد التي عكستها مواقف الناخبين على مستوى الحزب الديمقراطي حتى اللحظة.

اضافة اعلان

والحقيقة أن دخول السيناتور باراك أوباما المعركة الرئاسية وتصويت ولاية أيوا، وهي ولاية بيضاء، قبل أسابيع بنسبة 90% من ناخبيها لمصلحة الديمقراطي الأسود أوباما، ذي الأصول الأفريقية، والمتحدّر من أب مسلم من كينيا، أعطى مؤشرا أساسيا على أن موسم الانتخابات للرئاسة الأميركية هذا العام غير عادي. وهذه الصفة تتأتى من اللحظة النوعية الاستثنائية التي تعيشها الدولة الأقوى والأهم في العالم. من هنا كان أوباما ذكيا في استكناه هذه اللحظة ووعي تجلياتها، فجاء ترشحه منسجما مع مناخ عام في أميركا قلق من حاضره وتسكنه الهواجس على مستقبل بلاده، ويبحث عن "سر" أميركا الذي يكاد افتقار السياسيين للحكمة أن يُفقده بصمته الخاصة.

والمراقبون الأميركيون لا يخفون القول في أن بلادهم ينتابها الإنهاك والتشاؤم من المستقبل، بل إن "عظمة" أميركا وفرادة نموذجها، صارت موضع تساؤل من قبل الأميركيين، كما يلفت إلى ذلك الباحث في مؤسسة كارنيجي، عمرو حمزاوي. والتساؤل الآن كما جاء في تقرير إحدى الصحف البريطانية، يرصد الانتخابات الأميركية، هو "من سيعيد أمجاد أميركا"؟. هذا التساؤل الذي بدأ يتسرب إلى الأميركيين منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان يترافق مع ميل أكثر للتحصّن والأمن وزيادة القيود، وهو ما كانت له تأثيرات أكيدة على مستوى الحريات جرّاء إجراءات وسياسات مكافحة الإرهاب.

وفي كتابه "مستقبل الحرية"، الذي صدرت ترجمته للعربية العام قبل الماضي عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، يلحظ فريد زكريا، رئيس تحرير مجلة "نيوزويك"، "أن الناس في الولايات المتحدة يشعرون أن هناك مشكلة، وأنهم يكنّون لنظامهم السياسي توقيرا أقل من أي وقت مضى".

لقد كشف سير الانتخابات التمهيدية ونتائج استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة عن الوزن المتعاظم لدور "الناخبين المترددين"، وجلهم من فئة  الشباب الذين يدخلون معركة التصويت لأول مرة، في مجرى الانتخابات الجارية. الانتخابات هذه كشفت أيضا عن تركيز مفرط على الهموم والقضايا الداخلية ومسائل الاقتصاد وحالته غير المشجعة، وتهميشا أكثر للقضايا الخارجية، والكلام عن العراق في تبعاته الاقتصادية على أميركا، يعد مسألة داخلية بدرجة ما.

المعركة الحامية، غير المحسومة حتى الآن، بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما أشارت إلى أن ثمة هاجسين يتوزعان الناخبين: هاجس من يبحث في هيلاري، المستندة إلى خبرتها وخبرة زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون، عن الاستقرار والأمن والطمأنينة في المستقبل، وهاجس من يدرك أن أميركا، بما تواجهه من تحديات كبيرة تضع "فرادتها" على المحك، تحتاج إلى وقفة جديدة وإلى المراجعة "التغيير" وهو شعار حملة أوباما الانتخابية.

إن استثنائية الموسم الانتخابي الأميركي هذه المرة تأتي من عناصر عديدة أولها أن السيناتور هيلاري هي أول امرأة تحوز حظا وافرا في احتمالية الوصول إلى البيت الأبيض. وثانيها أن وصول أوباما إلى سدة الرئاسة سيعني وصول أول أميركي أسود إلى هذا المنصب. كما أن أوباما يعد أول رئيس (محتمل) يحصد ما نسبته 9 أصوات من كل عشرة من أصوات السود في أميركا. وثالثها، أن شعار "التغيير" الذي يرفعه أوباما يختزل اللحظة النوعية التي تعيشها أميركا، بعد فترتي حكم للرئيس جورج بوش الابن، كانت "الحرب" أبرز ما فيها. وقد لاحظت هيلاري كلينتون سحر الشعار الأوبامي وجاذبيته فصارت تتحدث هي أيضا عن ضرورة "استعادة أميركا وصناعتها ثانية". وما استبدالها اثنين من مسؤولي حملتها الانتخابية (وهو أسوأ قرار يتخذه مرشح للانتخابات) إلا تعبير عن ارتباكها أمام ظاهرة أوباما التي فاجأتها، كما فاجأت الكثيرين، ما أعاد للانتخابات أحد أهم وظائفها وهو الإفصاح عن مكنونات وتجليات الحراكين الاجتماعي والسياسي في أي مجتمع تجرى فيه انتخابات حرة ونزيهة.

المراقبون يلفتون النظر إلى أن الأميركيين في إقبالهم الكبير على الانتخابات هذه المرة، لا يضعون نصب أعينهم اختلافات المرشحين، ديمقراطيين وجمهوريين، في برامجهم الانتخابية، بل إن ما يشدّ أنظارهم هذه المرة، ويحوز اهتمامهم بشكل أكبر هو: أيّ المرشحين يمكن بذكائه وشخصيته وحكمته أن يمنحهم الإحساس بأن بلدهم معه سيكون أكثر بعثا للفخر والتميز، وأقرب إلى الصورة التي نسجها الآباء المؤسسون.

كاتب أردني مقيم في الإمارات

[email protected]