الانتخابات الأميركية: رؤيتان

ثمة هوس واضح يصيب الصحف الأميركية هذه الأيام، عنوانه: الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو هوس مبرر، حيث ينشغل الأميركيون بمتابعة كل كلمة وإيماءة تصدر عن مرشحي الرئاسة، أو أي شائعة أو حادثة تقول شيئاً عن شخوص هؤلاء وماضيهم وخصوصياتهم. كل ذلك يجعل من الراهن الأميركي "موسماً صحافياً دسماً"، يفيض على الصحف بمادة مغوية تصدّر بها عناوينها الرئيسة وافتتاحياتها وأعمدتها.

اضافة اعلان

لكن الانتخابات القادمة، بالذات، تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأميركيين، لأنها تجيء في ظروف خاصة نسبياً: إن أميركا في حالة حرب على أكثر من جبهة؛ فهي تشتبك على الأرض في العراق وأفغانستان في عراك دموي لا تبدو له نهاية؛ وهي تخوض حرب كرامة على الصعيد الدولي من أجل استعادة صورتها الجديدة كقوة إمبريالية بدل أن تكون حامل مشعل الحرية.

في المقابل؛ ثمة محاولة استنطاق القيم الليبرالية، الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية التي قامت عليها فكرة الديمقراطية الأميركية، والتي جعلت منها رئاسة بوش وإدارته بغير ملامحها القديمة. هناك تراجع في الحريات، وتراجع اقتصادي، وعودة لسيادة النمط الاحتكاري وسطوة الشركات الكبرى على القرار السياسي، وهناك نظرة الأميركي إلى نفسه بوصفه شخصاً غير مرغوب فيه في العالم الخارجي، مصاباً بعدوى الغطرسة التي وضعته في "الحجر الصحي" بعد أن أصابه بها نظامه السياسي.

وصلتني رسالة من صديقة وأستاذة وأكاديمية أميركية متميزة في جامعة تكساس، والتي كان من بين منجزاتها المشاركة في تأسيس أقسام الدراسات الأميركية في جامعات الشرق الأوسط. وهي، كما أعرف، ليبرالية الفكر والتوجه، لم تخف يوماً سخطها مما فعلته إدارة بوش بصورة أميركا.

وقد تركزت الرسالة على موضوع الرئاسة الأميركية، وكان مما جاء فيها: "أتمنى لو تستطيع أن تحس بمدى الإثارة التي تسود الولايات المتحدة هذه الأيام بسبب الانتخابات القادمة. على الأقل، أصبح الشباب وقد انبعثت فيهم الحياة ثانية على الصعيد السياسي، والفضل في ذلك يعود إلى إلهام باراك أوباما. يتمتع كلا المرشحين الديمقراطيين بالذكاء والاستعداد الجيد الحاضر في شخصيتيهما نفسيهما: أفريقي-أميركي من أب كيني وأم من كنساس، وامرأة تترشح للمرة الأولى للرئاسة. إن التنميطات القديمة والحواجز العنصرية والجندرية تبدو وأنها تتداعى. لكن الواقع يقول، بالطبع، إنها لم تذهب تماماً. ثمة دائما بقايا للعنصرية بشكل خاص. لكن المرشحين المذكورين بعثا وأطلقا طاقة الأمة. وكما قال أحدهم: إذا كانت المعرفة هي التي تريد، فاختر هيلاري؛ أما إذا أردت الإلهام والأمل، فاذهب إلى أوباما...".

أسوق هذا الجزء من الرسالة – مع الاعتذار من أستاذتي التي كتبتها- لتكون مثالاً على رؤية الأميركيين للحدث هناك. ولا شك في أن حدث انتخاب رئيس بشكل ديمقراطي يظل أمراً مثيراً لا نعرفه نحن في العالم الثالث إلا كما نعرف قصص الساحرات والخيال العلمي. للسبب الأخير، نتابع نحن هنا ما يجري "هناك" في عالم السحر الانتخابي الأميركي، غالباً من منطلق واحد: التداعيات التي سيجلبها اختيار أحد الساعين للرئاسة دون الآخرين على منطقتنا وواقع حياتنا. وهي تداعيات تبدأ من علب سجائر "المارلبورو" التي ندفع ثمنها وتحتل جيوب قمصاننا، ولا تنتهي بشلالات الدم اليومية في العراق والأراضي الفلسطينية، مروراً بكل طرائق الحياة المفروضة علينا بكل تجلياتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتشكل جميعاً هويتنا الثقافية الراهنة، حيث الثقافة "طريقة حياة" بتعريف ريموند وليامز.

من منطلق هذه الأهمية التي تشكلها انتخابات أميركا في حياتنا، لا يبدو أننا نتقاسم نفس الحماس مع الأميركيين. ذلك أن موقفنا هو موقف المتفرج المحايد، موضوعياً، إضافة إلى ما اعتدناه حتى أصبح طبعنا من الوقوف على الهوامش، حتى حين يمر الحراك السياسي من تحت أنوفنا هنا. إننا لا نستطيع أولاً أن نؤثر في خيارات الأميركيين، طبعاً. ولو استطعنا، جدلاً، فإن المرشحين يعرضون، ولو باختلاف بسيط، رؤى تكاد تكون متطابقة إزاء ما يؤثر علينا مباشرة ويخص منطقتنا وسماتها. ولن يتسع المقام لسرد كل ما قاله المرشحون عن المنطقة، لكنني سأتناول، بإيجاز، بعض ما قاله المرشحان اللذان ذكرتهما أستاذتي الأميركية: باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وعن قضية واحدة تقع في قلب معضلات منطقتنا: القضية الفلسطينية.

كما أورد الأكاديمان المهمان ووالت وميرشايمر في كتابهما مثير العواصف: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية"، قالت السيناتور هيلاري كلينتون في أوائل شباط من العام الماضي في نيويورك أمام الفرع المحلي من لجنة الشؤون العامة للأميركيين اليهود (آيباك) المتنفذة، إن هذه "لحظات في منتهى الصعوبة على إسرائيل، وذات خطر كبير عليها... لكن المهم هو أننا نقف مع صديقتنا وحليفتنا (إسرائيل) ونقف إلى جانب قيمنا الخاصة. إن إسرائيل هي مثال لكل ما هو حق في جوار تخيم عليه ظلال كل ما هو خاطئ: التطرف، والتشدد، والاستبداد والإرهاب". أما منافسها على ترشيح الديمقراطيين، السيناتور باراك أوباما، فتحدث بعد شهر من ذلك أمام جمهور (آيباك) في شيكاغو. وهناك، لم يكن أوباما، الذي كان عبر عن بعض التعاطف مع محنة الفلسطينيين في الماضي، حيث أشار بإلماحة قصيرة إلى "معاناة" الفلسطينيين في ظهور له أثناء حملته في آذار 2007، لم يكن مقتصداً في مديحه لإسرائيل، وجعل من الواضح تماماً أنه لن يفعل أي شيء ليغير من طبيعة علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل.

يتساءل الكاتبان عن هذه المسألة: "ما الذي يفسر هذا السلوك؟ لماذا ثمة القليل من الاختلاف بين هؤلاء الآملين بالرئاسة إزاء إسرائيل في وقت توجد فيه خلافات هائلة بينهم حول كل قضية أخرى تواجه الولايات المتحدة تقريباً، وفي وقت تبدو فيه سياسات الولايات المتحدة وقد أصبحت مقلقة باطراد؟... وعندما يبدو هؤلاء المرشحون وكلهم رغبة في انتقاد الكثير من الأشياء التي تفعلها الدول الأخرى، لماذا تتلقى إسرائيل، وليس أي دولة أخرى في العالم، مثل هذا الامتياز الدائم من طرف ساسة أميركا البارزين؟" الإجابة، وفق الكاتبين البارزين، هي تأثير اللوبي الإسرائيلي وسطوته.

على أي حال، يبدو حدث الانتخابات الأميركية الذي يشد العالم ويوقفه على قدميه وأنه لا يشكل كبير فرق بالنسبة إلينا. لن تخوض هذه المداخلة السريعة في توصيف العجز العربي إزاء حدث كهذا والاكتفاء بدور يقل عن دور "الكومبارس" في شارع قاهري مزدحم، وهي لن تجترح حلولاً وإجابات أظن أن الكثير من مثلها يدور في أذهان كل واحد منا. ولكن مثال الانتخابات الأميركية يقف شاهداً آخر على حيوية الشعوب في أماكن من العالم، ومواتها في أماكن أخرى. وهو يؤشر على أن الأحداث الكبيرة والصغيرة باتت بالنسبة إلينا سيّان: كيف نعنى بالانتخابات الأميركية في وقت ضاعت فيه الطرق في قريتنا الصغيرة وتشابكت، وتغيرت ملامحها من حولنا دون أن تكون لنا في ذلك يد؟ وكيف نصل إلى أميركا ونحن نكاد يومياً نضيع طريق العودة إلى البيت؟

مدير تحرير قسم الترجمة في "الغد"

ِ[email protected]