الانتخابات بما هي جدل فلسفي واجتماعي

ما تزال الانتخابات، برغم تكرارها المتواصل على مدى العقود الماضية، أقرب إلى هواية أو زينة غير ضارة؛ لم تؤثر فعليا في قيم الناس ومصالحهم، وفي تبدل النخب وحراكها. أو هي أقرب إلى تقنيات وإجراءات اقتُبست من غير البيئة والشروط المنتجة لها، وبذلك فإنها لن تعمل في اتجاه الأهداف المفترضة والمنشئة لها.اضافة اعلان
فالانتخابات تعني، اجتماعيا، تدوير النخب وإخضاعها للاختبار والتقييم، بحيث يخرج منها من يحكم الناخبون عليه بالخروج، وينضم إليها من يقررون ذلك. وهذا يقتضي، بالضرورة، وجود طبقة وسطى منظمة حول مصالحها وأهدافها، وممتدة في المجتمع والدولة والأسواق؛ تخاف من الفقر، وتأمل في إدارة الإنفاق العام وتنظيم الأسواق على نحو يحقق طموحاتها وأهدافها التي تعجز عن الوفاء بها اعتمادا على مداخيلها ومواردها الخاصة.
لماذا الطبقة الوسطى فقط هي القادرة على تحقيق هذا العقد الاجتماعي؟ ببساطة، لأنها تدرك بوضوح ما تحب أن تكون عليه ولا تملك الموارد الخاصة لتحقيقه، فتتشكل مصالحها في التنظيم العادل للفرص، وفي الإدارة العادلة للموارد والنفقات العامة، وفي حماية المستهلك والارتقاء بالجودة والمواصفات في السلع والخدمات التي تقدمها الدولة والأسواق. وهكذا، فلا انتخابات عادلة وحقيقية من غير طبقة وسطى منظمة وفاعلة؛ لأنها الضمان الوحيد لتحويل الانتخابات إلى مصالح اقتصادية واجتماعية ترتبط بها حياة الناس وخدماتهم، وليست فقط قيمة مثالية عليا تؤمن بها مجموعة قليلة من الرواد والمصلحين والشعراء والفنانين، بل إنها تجعل من هؤلاء قوة ملهمة ومحركة وفاعلة في المجتمعات والطبقات، وليست فئة معزولة. كما أن المصالح في حيويتها وتأثيرها، هي فقط ما يمكنها أن تكون منظما بديلا للروابط القرابية والدينية في الانتخابات والحكم والإدارة. ولا بدّ من الاستدراك أن التدين والقرابة والانتماءات الفرعية ليست مرفوضة، وليست عائقا أمام الإصلاح، ولكن الفكرة الأساسية هنا أنها لا تصلح لتنظيم الانتخابات والتنافس على القيادة الاجتماعية والسياسية، ويمكن أن تكون بالطبع رافعة للإصلاح والتنمية إذا وضعت في سياقها الصحيح والملائم. وفي الحديث عن الطبقات والمصالح، يمكن الحديث بقدر من التفصيل في مقالات أخرى عما يمكن أن تقدمه للانتخابات كل من الأمكنة (المدن والبلدات)، والطبقات، والفئات الاقتصادية والاجتماعية مثل المهنيين من المعلمين والأطباء والمهندسين أو الاتحادات العمالية والزراعية، بتنظيمها لنفسها حول ما تتوقعه من الانتخابات النيابية.
أما فلسفيا، فإن الانتخابات تعني النسبية وعدم اليقين؛ ذلك أن الناس تلجأ إلى صناديق الانتخاب لأنها تحاول الحصول على ما هو أفضل، ولتراجع تجربتها السابقة. إذ لأنها لا تعرف الصواب أو لا تُجمع عليه، وفي الحيرة والجدل حول الصواب، تلجأ إلى الانتخاب، ليس لأن نتيجة الانتخابات هي الصواب، ولكن لأنها (الانتخابات) آلية للحكم والقياس في المراجعة والاختيار.
هذا يقتضي، بالضرورة، وجود تيارات واتجاهات فلسفية اقتصادية واجتماعية تقدم أفكارها وحلولها، وتتجادل حول هذه البرامج والأفكار. ويعني ذلك أيضا، أنه ليس ثمة حق نزل من السماء لتنظيم اختيار النخب ومحاكمة البرامج واختيارها، ففي وجود اليقين لا يعود ثمة حاجة إلى انتخابات، ولا يصح ابتداء محاكمة اليقين إلى صناديق الانتخاب. وبذلك، فإن أحدا لا يحق له أن يقدم نفسه في الانتخابات مرشحا باسم الدين، لأن الانتخابات تنظم تنافسا في اجتهادات إنسانية؛ هي ليست الحق الذي أمر به الله، ولكنها تزعم أنها تملك حلولا وأفكارا تحسن حياة الناس.
هكذا، فلا انتخابات من غير تيارات فكرية اقتصادية واجتماعية ونظريات فلسفية إنسانية، تتجادل وتجتهد في إنشاء التصورات لحياة الناس ومصالحهم. فالانتخابات لا تقدم ولا تنشئ أفكارا ولا وعودا، ولكنها ترجح بين الوعود والأفكار المتنافسة. وإذا لم تكن هذه الأفكار والتيارات المعبرة عنها موجودة في التنافس والجدل، فلا معنى ولا جدوى للانتخابات.