البتراء: الفرص والتحديات

يستدعي مرور عام على اختيار مدينة البتراء الأثرية في الموقع الثاني بين عجائب الدنيا السبع الجديدة تحليل الفرص التي توفرها والتحديات التي توجهها هذه المدينة التراثية الفريدة، وتزداد أهمية هذا الأمر بعد مرور هذا الوقت من دون أن ينال التخطيط لهذا الموقع التراثي المهم أي مراجعة جدية تليق بمكانته التاريخية والحضارية، وبما يملك من إمكانية لرفد الاقتصاد الوطني من خلال ما يوفره من قيمة سياحية في الوقت الذي ازداد فيه الطلب السياحي العالمي على هذه المدينة وتضاعفت فرص ترويجها مرات عديدة بما يوفر فرصة كبيرة لإبراز هوية سياحية أردنية تعتمد على البتراء للترويج السياحي للأردن بشكل عام.

اضافة اعلان

بمرآة المنظور التنموي الذي سار عليه التخطيط للبتراء، نجد من السهولة اكتشاف أن البتراء تعاني منذ زمن طويل من أزمة تخطيطية، تبدو ملامحها الأساسية في عدم القدرة على تحديد ما توفره هذه المدينة من فرص تنموية وما يواجهها من تحديات وتهديدات وما هي الاولويات، وقبل هذا كله من أين نبدأ.

منذ عام 1812 الى مطلع القرن العشرين زار مدينة البتراء العشرات من الرحالة والباحثين والمغامرين، وفي عام 1924 شهدت البتراء أول حفرية أثرية نفذتها المدرسة البريطانية للآثار، وفي عام 1929 نظمت شركة توماس كوك، وهي أول شركة سياحية في العالم، أول رحلة سياحية جماعية للبتراء، وفي عام 1934 روّج كوك للبتراء ونشر أول بوستر سياحي للمدينة الوردية المفقودة.

وفي عام 1934 أنشأت قوة البادية مخفرا للشرطة لضبط الأمن، وفي عام 1956 تم إنشاء أول مرفق سياحي خدمي حكومي في البتراء هو استراحة البتراء، وفي عام 1970 تم بناء أول مركز زوار في البتراء، وفي عام 1985 تم نقل وترحيل البدو من داخل البتراء الى قرية سكنية على مشارف المدينة ضمن مساحة محدودة لا يسمح فيها بالتوسع، وتم في عام 1992 تأسيس اللجنة الوطنية لحماية البتراء (في المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا NTC)، وقامت جمعيات غير حكومية أعلنت برامج في هذا المجال.

إلا أن جميع هذه الجهود لم تأت بانعكاسات حقيقية؛ بحيث توقف تدهور أحوال الآثار والبيئة التراثية أو تقدم إنجازات واضحة في إدارة الموقع. ويرجع ذلك الى جملة من الأسباب، أهمها غياب الرؤية، ونتائج نمط الإدارة عن بعد، والتي كانت تدير الموقع من مكاتبها في عمان، وضعف التمويل، وعدم القدرة على توطين كفاءات وطنية في مجال حماية وترميم الآثار في إدارة المواقع التراثية.

في مطلع التسعينيات ظهرت استراتيجية اليونسكو للبتراء وعلى أساسها تم في عام 1995 تأسيس مجلس تنظيم إقليم البتراء، وفي عام 2001 تم تطوير هذا الشكل الإداري إلى سلطة إقليم البتراء، لقد كانت تلك الخطة الأكثر واقعية في حينها وعلى الرغم أن بعض ما طرحته من بنود تم تنفيذه إلا أنه نفذ بشكل مشوه، والدليل على ذلك اننا لا نجد منه ما يذكر اليوم.

منذ مطلع التسعينيات إلى عام 2008 وُضعت أربع خطط لإدارة الموقع في البتراء لم تنفذ، بينما أُخذ أحيانا ببعض التوصيات بشكل مشوه زاد من تعقيدات الموقف.

تحليل الوضع الراهن في البتراء

* عناصر القوة:

1. تعد البتراء وتاريخها جزءاً من نسيج الهوية الوطنية الأردنية ببعديها العربي والإنساني، ويعد تاريخها وإنجازات بناتها عنصراً من عناصر قوة الدولة الأردنية المعاصرة.

2. البتراء إرث إنساني عالمي يلاقي الاهتمام الدولي والعلمي من قبل الكثير من المؤسسات والهيئات والعلماء والمفكرين والمثقفين في مختلف أنحاء العالم.

3. البتراء منتج سياحي على درجة عالية من الأهمية والقدرة التنافسية  والجاذبية، يوفر إمكانيات كبيرة من الطلب السياحي وأهم خصائصه:

- الفرادة والتميز: المدينة الأثرية الوحيدة في العالم بهذه الضخامة المنحوتة في الصخر ويوجد فيها أكثر من (800) موقع أثري.

- التكوين الطبيعي: التكوين النادر والفريد والخصائص الطبيعية للصخور ومثالها التكوين الطبيعي المدهش لممر السيق، الى جانب التنوع الحيوي والبيئي.

- الغنى الحضاري والتاريخي والثقافي، والاستمرارية الحضارية عبر أجيال من الحضارات والثقافات، فالبتراء أحد النماذج النادرة للتنوع الحضاري وهي مدينة عالمية.

- توفر البُنى التحتية والمرافق الضرورية لصناعة السياحة في البتراء إذا ما استثمرت بكفاءة تشكل قيمة مضافة عالية للاقتصاد الوطني، يمكن أن تضاعف حجم مساهمة السياحة في الناتج الوطني إلى أضعاف.

* عناصر الضعف:

1. إدارة الموقع: تشكل إدارة الموقع والأنشطة المحاطة بها أكبر التحديات ونقاط الضعف الراهنة في البتراء، حيث تعاني إدارة الموقع من غياب الرؤية التنظيمية، وعدم وجود حزمة من التعليمات والأحكام التشريعية التي يُستند عليها في إدارة الموقع وتداخل الصلاحيات.

حيث توجد أربع جهات مباشرة تتنازع الصلاحيات على إدارة الموقع بشكل مباشر وغير مباشر (إقليم البتراء، محمية آثار البتراء، وزارة السياحة، متصرفية لواء البتراء) وهناك أكثر من خمس جهات أخرى تتنازع بشكل غير مباشر وربما تأثيرها أحياناً أكثر من المجموعة الأولى.

2. ضعف تنظيم إدارة الزوار: يمر السائح بسلسلة طويلة من الإجراءات مع عدة جهات ليتمكن من دخول الموقع على الشكل الآتي:

1. مراجعة شباك التذاكر لدفع رسوم دخول الموقع من قبل موظف الآثار.

2. مراجعة مكتب موظفي السياحة للحصول على دليل سياحي.

3. مراجعة جمعية للأدلاء السياحيين (دليل سياحي).

4. مراجعة جمعية الرواحل لدفع الرسوم للرحلة الإجبارية بغض النظر عن استخدامها أو عدمه.

5. مراجعة بوابة الدخول (موظف الآثار) ليتمكن من دخول الموقع.

6. مفاوضة أصحاب الرواحل والعربات لنقله إلى مدخل السيق.

- لا يوجد مخطط للموقع يُبين حركة السياح ويحدد المسار الذي يسلكه السائح، بالإضافة إلى عدم كفاية اللوحات الموجودة إلى جانب ما تحمله بعضها من معلومات غير دقيقة.

- ان انتشار الأنشطة التجارية في كل مكان داخل المدينة الأثرية يقضي على الانسجام والتناغم في الموقع السياحي إلى جانب كونه يعمل على خلق نوع من الازدحام.

- لا توجد في الموقع وسائل كافية ومناسبة لجمع النفايات ما يعيق جهود إدامة النظافة وتوفير الحد المعقول من الشروط البيئية، كذلك افتقار الموقع للمرافق الصحية الكافية والصديقة للبيئة.

-  تحدي عمالة الأطفال والباعة المتجولين.

- عدم توفير وسائل مناسبة لنقل الزوار بعد انتهاء الرحلة ما يستدعي عودة السائح سيراً على الأقدام لمسافة (3.5) كم.

3- ضعف المشاركة الإيجابية للمجتمع المحلي في التنمية السياحية من خلال:

- غموض العلاقات مع المؤسسات الرسمية وعدم قدرة الطرفين على بناء الثقة.

- عدم تعميم عوائد السياحة على شرائح المجتمع المحلي كافة.

- تواضع الوعي السياحي (السياحة المستدامة) لدى الفئات الأكثر تماساً مع الأنشطة السياحية والموقع التراثي.

4- ضعف إدخال عناصر الاستدامة للموارد في التنمية السياحية، ويبدو ذلك في المشاريع الحكومية واستثمارات القطاع الخاص وفي الرؤية التنظيمية.

5- التنظيم الحضري: ان النمو غير المنظم والخارج عن السيطرة في كل من وادي موسى جعل هذه التجمعات عبارة عن عشوائيات عمرانية تبدو وكأنها تقتحم الموقع الأثري بشكل تطفلي، وتشكل حساسية بيئية واجتماعية وتنظيمية.

كذلك الأمر في واقع بلدة أم صيحون ببعديها الإنساني لفئة اجتماعية من المواطنين، إعاقة الأحكام التنظيمية حقها الطبيعي في النمو، وبين حساسية الموقع للقرية على حافة المدينة الأكثر حساسية.

6- تدني معدل إقامة السائح في البتراء: على الرغم من أن البرنامج السياحي المتوازن للإطلاع على عناصر المنتج السياحي في البتراء يحتاج الى ما بين (3-4) أيام إلا أن ظاهرة تدني معدل إقامة السائح تعد أحد المظاهر الأساسية الملازمة للسياحة في البتراء حيث يصل معدل الإقامة الى 1،6 ليلة.

7- أزمة الترويج السياحي، وهي مسؤولية مشتركة للقطاعين العام والخاص وعدم توفر رؤية ترويجية خلال السنوات الماضية تستفيد من جاذبية البتراء وتفردها.

8- ضعف القدرة على التعامل مع الأزمات: في كل مرة تضرب بها السياحة في البتراء نتيجة للأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة، يدخل القطاع السياحي في حالة استرخاء وتعايش مع الأمر الواقع, ولم تظهر مبادرات للتكيف الإيجابي.

[email protected]