البداهة: كما في التقنية تكون في الفكر والدين

تعكس قدرة الناس جميعاً -على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية- على استخدام الحواسيب و"الموبايلات" الذكية والمتقدمة، "البداهة" في تصميم هذه الأجهزة والبرامج ليكون في مقدور الإنسان العادي استخدامها من دون حاجة إلى مختصين، أو إلى خبرات تقنية وعلمية معقدة.اضافة اعلان
وعبقرية "البداهة" القائمة على تطوير الأجهزة والبرامج، وتبسيط عملها في الوقت نفسه لتكون أكثر ذكاء وأقل تعقيداً، تجيء محصلة لمعرفة الإنسان بنفسه، ثم تحويل هذه المعرفة إلى تقانة مطبقة؛ أنشأت بطبيعة الحال ثقافة عامة متداولة بمقدار أو قريباً من تداول الحواسيب والموبايلات. لكن الأكثر أهمية وخطورة في ما يحدث (سوف يحدث) هو عندما تقدم المنظومات المعرفية والدينية والثقافية والعلمية في تطبيقات "بدهية"، تمكّن المستخدم من استيعابها وتطبيقها بالقدرة نفسها على استخدام "آيفون" و"آيباد". ماذا يحدث للعالم عندما يقدم الدين بـ"بداهة" علمية وتقنية، تجعل فهمه واستخدامه وتطبيقه متاحاً لكل أتباعه والباحثين في شأنه؟
تقنية "المعنى" تنشئ المعنى بطبيعة الحال، ولن يكون هذا المعنى بالضرورة هو المعنى الذي كان قائماً قبل استخدام التقنية. من هنا، فسوف تكون المنظومة الدينية مفتوحة لسؤال المعنى والجدوى والبقاء والبحث، من رجال الدين ومؤسساته إلى محتواه وتطبيقه، ومن ثم علاقة الأفراد والسلطة والجماعات والمجتمعات بالدين. ويبدو بدهياً أنه يتحول أو يعود شأناً فردياً خالصاً لا علاقة به للسلطة والمجتمعات والجماعات، ذلك أنها وببساطة علاقة تاريخية وليست ضرورية ولا بنيوية نشأت من الحاجة إلى فهم الدين. فقد كان الكهنة والمفتون والعلماء والأئمة والدعاة والواعظون والخلفاء والحكام والقادة الاجتماعيون والسياسيون، يكتسبون مواقعهم وأهميتهم ومواردهم وسلطاتهم من حاجة الفرد إلى الدين وعجزه عن استيعابه وتطبيقه. 
المعرفة، وحاجة الفرد إليها، وعجزه عن الحصول عليها، جاءت بكل هذه المتوالية العملاقة الصلبة المتماسكة، ولم تكن سوى ما يشبه تشكل الصخور القوية الراسخة من الفضلات والبقايا الآدمية! ومن ثم، فإن هذا الاستغناء الفردي عن المؤسسات ليس مقتصراً على الدين، فتقنيات المعنى والمحتوى تغير في الحكومات والمدارس والجامعات، وفي الحاجة إلى مهن وأعمال كثيرة في الإدارة والتعليم والرعاية الصحية والصيانة. فالإنسان القادر على أن يعمل لنفسه وبنفسه، أو المتجه إلى ذلك، يعيد تشكيل دور العبادة والوزارات والمؤسسات والوظائف الدينية والاجتماعية. لكنه وبالتأكيد في فرديته هذه سوف ينتج معنى وفهماً وتطبيقا جديدةً للدين، مستمدة من معرفته وحاجاته الذاتية وما يتوقعه. ومؤكد أيضاً أن الحديث عن مكافحة الإرهاب والتطرف سيتحول إلى معرفة تاريخية تثير العجب والصدمة، مثل أكل لحوم البشر.
وغالباً، فإن المصممين والمعدين للبرمجيات الدينية الإسلامية سيكون معظمهم من غير المسلمين. وفي ذلك فإن حريتهم النقدية ستجعل "المُسْتَخْدِم" يعيد بداهة محاولة تمييز المقدس وغير المقدس، والإنساني والديني، وينشئ أيضاً فقهاً وتأويلاً جديدين ومختلفين للمقدس، مستمدين من معرفته الجديدة والمختلفة. ولم يعد صعباً تقدير هذا الفهم للدين في نسخته الناشئة عن الحوسبة والأنسنة.
لقد أنفق العالم في محاربة تنظيم "القاعدة" ومشتقاته أكثر من اثني عشر تريليون دولار. ولعله لا يحتاج إلى أكثر من عُشر ذلك لا ليقضي على ظاهرة الإرهاب فحسب، بل ليجعل من الناس في هذا الجزء من العالم شركاء فيه، يتقبلونه ويقبلهم!