البعث وداعش (1)

حين كانت وكالة "رويترز" تنقل الأنباء عن مقتل الرجل الثاني في هرم نظام البعث في العراق، والرأس الحالي لبقايا الحزب الآن؛ عزت الدوري، أواسط نيسان (أبريل) الماضي (والتي يبدو أنها لم تكن صحيحة)، استطرد محرِّر الخبر إلى التعليق بالقول: "إذا تأكدت وفاتُه، فستكون ضربة كبيرة للمقاتلين السُنّة، وهم تحالف من ضباط سابقين في حزب البعث وتنظيم الدولة الإسلامية".اضافة اعلان
هذا التعليق لا يشير، فقط، إلى تورط وكالة أنباء مرموقة، بمستوى "رويترز"، في تبسيطات من قبيل الحديث اليقيني عن "تحالف" بين "داعش" و"البعث" (الذي يمثّله، هنا، ضباط سابقون في الجيش العراقي السابق في أثناء حقبة "البعث")، وأن مقتل الدوري هو "ضربة كبيرة" لهذا التحالف، بل إلى أن ثمة تعقيدا شديدا في الصورة، على مستوى عام. وهو -في الحقيقة- ما ورّط وكالةَ أنباء مرموقة، مثل "رويترز"، بتبسيطات من هذا القبيل.
مع ذلك، ثمة مؤشرات عامة عن علاقةٍ ما تربط "داعش" بالبعث، أو عناصر منه، أو عناصر من الجيش السابق، أو النظام العراقي السابق، لم تجرِ صياغتها بشكل دقيق، على المستوى البحثي، ومن ثم السياسي.
ما هي هذه العلاقة؟
أولا، أنا أشكّ بوجود علاقة منظمة بين "داعش" وحزب البعث، بتنظيمه الرسمي الحالي. ومن يتابع تفصيلات تطور الأوضاع في الموصل، ما بين سقوطها بيد "داعش"، مساء 9 حزيران (يونيو) 2014، وإعلان دولة الخلافة، نهار 29 من الشهر نفسه، يجد أن هذه الأسابيع الثلاثة شهدت إطلاق طموحات لعدد كبير من الفصائل المسلحة، بلعب دور جديد؛ من قبيل فصائل المقاومة العراقية السابقة، وحزب البعث، وما يمكن تسميته "الذراع العسكرية للحزب"، وهو "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، وبعض المسلحين العشائريين، وما إلى ذلك. كل هؤلاء خفت دورُهم مع انسحاب الجيش الأميركي من العراق، وخفوت سردية "المقاومة"، وهزيمة تنظيم "القاعدة". ومع سقوط الموصل، تجدد طموح هؤلاء بتجدد نشاطهم. ولذلك، ساد هذه الأسابيع الثلاثة الحديث عن "انتفاضة سُنّية عامة"، وعن "ثورة عشائرية"، إلى الحد الذي نفى فيه بعضهم وجود تنظيم اسمه "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أو أنه مجرد فصيل من "فصائل الثورة".
ومن ثم، أتصور أنه لم يكن إعلان دولة الخلافة، يوم 29 حزيران (يونيو) 2014 (الذي صادف الأول من رمضان)، مجرد تطور في مسار أيديولوجي، أو مرحلة اقتضتها الديناميكيات الداخلية لداعش، أو ترتيب سياسي يعبّر عن سيطرة التنظيم على مدينة بأهمية ورمزية الموصل، بل إنه -أيضاً والى جانب كل ذلك- كان محاولة لضرب كل تلك الطموحات، وليعلن "داعش" عن أنه ليس الأب لتلك الفصائل، بل هو التنظيم الوحيد؛ هو مَن خطّط ونفّذ ويدير، ومَن أراد أن يسهم فعليه أن يندمج ويذوب فيه، وفي النهاية، لن تُرفَع راية سوى رايته.
كان "البعث" جزءا من الطموحات التي أطلقت، وجزءا من الآمال التي أجهضت. ومن يتابع بيانات الحزب وخطب الدوري الصوتية، ما بين سقوط الموصل والمرحلة الأولى لإعلان دولة الخلافة، يكتشف كيف انتقل "البعث" من تمجيد "تحرير الموصل على يد ثوار العشائر"، إلى إطراء دور "مجاهدي الدولة الإسلامية"، ثم مهاجمة التنظيم، وقد أغلق الطريق أمام كل من أراد أن يشاركه "انتصار الموصل".
ما أثار الالتباس عن العلاقة بين "داعش" و"البعث" هو دور ضباط الجيش السابق ضمن تركيبة "داعش"؛ إذ يشكلون الجزءَ الأكثر أهمية وخطورة في قيادة التنظيم. غير أن هؤلاء لا يعملون بوصفهم بعثيين أيديولوجيين، بل بما هم عسكريون محترفون.
وهذا ما سأفصل فيه في المقال المقبل.