البنك الدولي يرد على جون كيري

ليس صعبا القول إنّ الضجة التي أثارها وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري، في البحر الميت قبل أشهر، بشأن استثمارات مأمولة/ موعودة/ منشودة بقيمة نحو أربعة مليارات دولار، ستأتي من موافقة صينية وخليجية عربية على الاستثمار في المناطق الفلسطينية، طبعا بشراكة وموافقة إسرائيلية، هي ضجة غريبة تثير تساؤلات. والبنك الدولي في دراسته المؤرخة قبل أيام بعنوان "الضفة الغربية وغزة: المنطقة "ج" ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني"، قدّم ما يمكن أن يكون دحضاً ضمنياً لمبادرة كيري، رغم أن كثيرين قد يرونهما من منظار واحد، ومتكاملتين، تتحدثان عن الاقتصاد.  اضافة اعلان
ما تقوله الدراسة أولا هو أنّ "أوسلو" عمليا لم تنشئ اقتصاداً فلسطينيّاً ينمو. فإذا كانت مساهمات الدول المانحة للفلسطينيين تتراجع بنسب كبيرة، فإنّ معدل نمو إجمالي الناتج القومي تراجع من نسبة 9 % في الأعوام 2008-2011، إلى 5.9 % في العام 2012، إلى 1.9 % في النصف الأول من العام 2013. وربما الرقم الأكثر سببا للصدمة أنّه لا نمو في الضفة الغربية تحديداً في النصف الأول من العام، بل انكماش بنسبة تعادل -0.1 %.
النقطة الأهم التي تشير إليها الدراسة، وربما تكفي للرد على مبادرة كيري، هي أنّ الفوائد الاقتصادية المباشرة (الفوائد غير المباشرة مهمة أيضاً، ولكن يصعب قياسها)، ستكون نحو 2.2 مليار دولار سنويا، أو ما يعاد 23 % من الناتج الإجمالي القومي الفلسطيني؛ أي أكثر من نصف ما يحلم كيري بالحصول عليه من مبادرة البحر الميت. وربما الأدق القول إنها أكثر من ضعف ما يأمل كيري الحصول عليه لأنّ خطته تمتد لسنوات عدة.
تشير الدراسة أنّها تستثني من حساباتها 187 ألف دونم مستغلة للاستيطان الصهيوني. ولكن ما لا تشير إليه (لأنه خارج موضوعها)، هو منطقة أخرى تعد الأهم اقتصاديا لفلسطين، وهي القدس. فالقدس بحسب دراسات، كانت تدر قبل العام 1967، بفضل السياحة الدينية وما يرتبط بها، أكثر مما تدر الضفة الغربية مكتملة؛ بكل زراعتها وصناعتها وسياحتها وخدماتها.
ولعل هناك حاجة إلى دراسات على نطاق القرى والشوارع والمدن، توضح كيف أن فنادق ومطاعم ومرافق سياحية أخرى كانت تعمل قبل العام 1967 في القدس ومدن وقرى محيطة، توقفت بفعل الاحتلال وجدار الفصل. فالقدس وحدها ستدر عندما يصبح قرار دخولها فلسطينياً، أكثر مما يعد به كيري بكثير.
إذا كانت دراسة البنك الدولي تشير إلى البحر الميت ومصادر المياه والتجارة الدولية، فإنّها تضع يدها على الحل، وهو "السيادة" والحدود. فلا استثمار في البحر الميت من دون سيادة عليه، وإسرائيل تمنع أصحاب الآبار من إخراج المياه من أراضيهم وآبارهم.
لن تكون هناك سياحة أو صناعة أو زراعة فلسطينية من دون أن يكون الفلسطينيون هم من يقررون من يدخل إلى بلادهم ومن يخرج، ومن يستخدم مياههم. وبالتالي، لا معنى لحديث كيري أو غيره.
حتى السلام الاقتصادي لا يعني سوى التحرر من الاحتلال وانتهاء السيطرة الصهيونية. عدا ذلك، فإن الحديث عن مشاريع اقتصادية يعني عمليا إقامة اقتصاد تابع، لا يعمل فيه الفلسطينيون في أرضهم وزراعتهم واقتصادهم، بل يكونون فيه أجراء في مشاريع إسرائيلية. وربما يجري إدخال العرب والصين ودول أخرى في هذه المشاريع، بما يحقق بالتالي أهدافا، أولها احتواء الفلسطينيين بتسكين جوعهم بفتات من المصانع والمشاريع التي ستجري ويكونون فيها موظفين، سواء كانوا مهندسي كمبيوتر يعملون جسرا لقطاع تكنولوجيا المعلومات الإسرائيلي نحو العالم العربي، أو عمالة غير ماهرة في المصانع. وثانيها، ستكون هذه المشاريع مدخلا لدمج إسرائيل في المنطقة.
تولي حكومة رامي الحمدالله الحالية في فلسطين، المناطق "ج" أهمية كبرى في برنامجها. وتشدد على أهمية هذه المناطق في بياناتها، وأثناء لقاءات المسؤولين الدوليين. ولكن السؤال: ما هو التحرك العملي بعد تأكيد أهمية هذه المناطق؟ هل يوجد أي حراك شعبي أو سياسات فرض أمر واقع على الأرض في هذه المناطق، أم أنّ الانتظار والمناشدة العبثيين سيكونان سيديّ الموقف؟ الأمل أن تكون هناك خطة عمل مختلفة.

[email protected]