البنوك الأردنية ودفع فواتير الحكومة

عندما ننظر حولنا ونرى كم من قطاع يعاني ويتقهقر، نرى قطاعا مصرفيا يحظى بالثقة، ويمثل أحد الأعمدة الرئيسة للاستقرار الاقتصادي في الأردن، بوجود ملاءة مالية وسيولة عاليتين. ويصاحب ذلك ثقة كبار المستثمرين والمساهمين من مؤسسات مالية متينة في الخليج، ورجال أعمال بارزين يتمتعون بسمعة تجارية عالية. وهذا يعني أنه على خلاف دول أخرى تضعضعت فيها أحوال القطاع المصرفي، واقتضت تدخل الدولة لإنقاذها، فإن الصورة عكس ذلك كليا في الأردن.اضافة اعلان
بل نزيد ونقول إن البنوك باتت تلعب دورا رئيسا في تمويل نفقات الحكومات المتعاقبة، وتقليل عجوزات الموازنة. ويمكن القول أيضاً إن البنوك اليوم بات القناة التمويلية شبه الوحيدة التي تقدم طوق النجاة لمالية عامة تعاني من شح في الموارد وضغوط متنامية جلبتها ضغوط الشارع، وضيقت المساحة المالية التي تتيح للدولة أن تتحرك فيها.
وفي وقت لا تجد فيه الحكومة قدرة على اللجوء إلى السوق العالمية، أو حتى تمويل الاقتراض من مؤسسات دولية تمنح فوائد وآجالا أفضل من الاقتراض المحلي، فإن البنوك المحلية هي التي تقوم اليوم بتمويل شراء الحكومة للطاقة، والتي تشكل فاتورتها ثلث مستورداتنا. والبنوك، عبر اكتتابات الأذونات والسندات هي اليوم التي تدفع اليوم رواتب الموظفين، في وقت لا نجد فيه أي دعم استثنائي من الخارج يخفف من الضغوط المتنامية التي ولدها الربيع العربي.
ورغم ما يحمل توسع الحكومة في الاقتراض من السوق المحلية من كلف على صعيد زيادة المديونية العامة ككل، وتقليل ما هو متاح للقطاع الخاص للاقتراض من هذه السوق، فإنه على الأقل لا يزيد من الارتهان للخارج، والذي كان سببا في أزمات ماضية.
ورغم أن الاقتراض الحكومي يعني أن البنوك تصبح أقل حماسة للإقراض للقطاع الخاص، لأنه أقل مخاطرة من الإقراض لشركات تعاني من تباطؤ حاد، إلا أن من الواضح اليوم أيضا أن موضوع تنشيط السوق ليس مرهونا فقط بأسعار فائدة أكثر جاذبية تساعد الشركات على الحصول على السيولة. وهناك أمثلة كثيرة لشركات لا تنقصها السيولة، إلا أنها جمدت مشاريع توسعها مع ما يسود المنطقة من عدم يقين، وتداعياته علينا، في حالة الانتظار والترقب التى لم تخلقها البنوك، وكانت أسبابها الأزمة المالية. ولا أعتقد أن أي مصرف يجد أمامه الفرصة للإقراض المجدي سيغض النظر عن ذلك، لأن التمويل يبقى أفضل سبل ربحية البنوك.
إلى جانب ذلك، فإن سرعة تبدل الحكومات في الأردن تلقي بظلالها على المناخ الاستثماري، وتهدد الاستقرار التشريعي، خصوصا أن الكثير من المستثمرين الأجانب الراغبين في الدخول إلى السوق يحتاجون إلى قدر أكبر من وضوح الرؤية التى لا يرونها موجودة اليوم.
إن نظرة الكثيرين العدائية تجاه البنوك على اعتبارها مؤسسات خاصة جشعة تحقق ربحية عالية، ويتوجب دوما السعي إلى فرض مزيد من الضرائب عليها، تغفل عمليا ما تقوم به البنوك من دور في تحريك المشهد الاقتصادي. بل إن حصافة القائمين على إدارة الكثير من البنوك الرائدة حافظت على أموالنا، بمنع تداعيات ما أدى إليه التوسع المفرط في الإقراض في دول أخرى مجاورة.