التحدي البيئي الجديد، ماذا بعد؟

يستحق عام (2007) بكل جدارة أن يحصل على وصف "عام التلوث والسموم" وهذا الوصف الذي يتردد على ألسنة المراقبين وصناع القرار أيضاً الذين انتهكتهم بالفعل الأزمات البيئية المتتالية،ما يجعل كل انتباهنا موجها نحو أداء الأجهزة التنفيذية من الناحية الوقائية والرقابية، ومن نواحي المكافحة وإدارة الأزمة حينما تقع الواقعة.وعلى الأهمية البالغة لهذا المنظور العملي، فإن التحدي البيئي الذي بات يداهمنا كل يوم بمفاجأة جديدة يحتاج قراءات مختلفة ومتأنية.

اضافة اعلان

الحادثة الأخيرة التي وقعت في بلدة ساكب والتي تعد واحدة من أعلى مناطق الكثافة السكانية في المملكة،وهي واحدة من أكثر بيئات الفقر ومحدودية الموارد وتواضع نوعية الحياة، لا يمكن فصلها عن الحوادث السابقة، حيث أدت إلى وصول حوالي (340) شخصاً إلى المستشفيات. وبغض النظر عن حقيقة أو مصدر جرثومة "السالامونيا" فإن الحادثة شهدت تكرر خصائص بيئية متشابهة مع الحوادث الخمسة الماضية التي شهدتها المملكة خلال هذا العام، وهي كثافة سكانية عالية، بنية تحتية مهترئة، ضغط سكاني، ضغط متزايد على البنية التحتية، موارد محدودة، تواضع في نوعية الحياة، طلب مرتفع على الحاجات الأساسية متدنية الجودة.

كنا نتحدث في السابق عن التحديات البيئية التقليدية،ونحصرها في مجالات شح الموارد المائية،زيادة السكان، الفقر، التصحر والنفايات بأنواعها؛ وفي الحقيقة أن هذه التحديات في شكلها ومضمونها التقليدي وفي بلد بخصائص الأردن البيئية لا يمكن أن تنذر بمفاجآت أو تحولات حادة، دون أن يدخل عامل مؤثر جديد خارج السياق التقليدي؛ فالمصدر الرئيس للتحدي البيئي الراهن، المتمثل في مسلسل لا ينتهي من أشكال التلوث والتسمم والظواهر البيئية المنذرة بمخاطر كارثية،يكمن عادة،ومن خبرات بلدان عديدة ومجتمعات مختلفة، في الانفجار السكاني الكبير والمفاجئ أحياناً وغير المخطط له،الذي يضغط على الموارد الطبيعية من جهة ويسبب مخرجات غريبة عن النظام البيئي تظهر أحياناً على شكل تلوث واسع النطاق أو ظواهر حاضنة لملوثات مفاجئة لم تكن في الحسبان.

ماذا حدث في الأردن؟ بينما يتراجع حجم الأسرة الأردنية سنوياً وحتى معدلات الخصوبة لدى النساء الأردنيات في تراجع، شهدت البلاد منذ عام(1990) إلى اليوم زيادة سكانية قسرية وعلى موجتين وصلت ما بين(25%-30%)، زيادة على عدد السكان. وفيما أدّت الموجة الأولى إلى زيادة سكانية بحدود(10%) بشكل مفاجئ جراء عودة العاملين في دول الخليج أثناء وبعد الحرب، جاءت حرب احتلال العراق التي أضافت حوالي(15%) زيادة أخرى قسرية ومفاجئة.هذه الزيادات شكلت أدوات ضغط وإرهاق كبير على النظام البيئي لا يلاحظ للوهلة الأولى،وبدأنا نلاحظ هذا العام مؤشرات أولية دالة على حجم الكوارث البيئية الأخرى،والمتمثل في الضغط الكبير على الموارد المحدودة والاستهلاك الجائر لها، والضغط الكبير على البنية التحتية والمرافق العامة، مع تراجع قدرة الأجهزة الرسمية على الإحاطة التامة بكل المتغيرات التي تحدث في حركة السكان وعلاقاتهم بالموارد والبنية التحتية، وتأثير كل ذلك على النظام البيئي وما ينطوي على هذا الأمر من تهديدات.

لقد حصرت الأمم المتحدة تأثيرات حروب الخليج واحتلال العراق بتأثيرها على البيئة الطبيعية في المناطق الصحراوية التي خضعت لحركة نزوح قطعان المواشي والرعاة،وفي الأردن حددت مناطق الصحراء الشرقية شبه الخالية من السكان وقدمت تعويضات متواضعة في هذا الشأن،ولم نتنبه أردنياً للمخاطر الحقيقية لهذه التطورات ولم نتقدم بخطاب وطني موجه إلى الخارج يستند إلى الحقائق العلمية الدالة على حجم التأثيرات التي لحقت بالأردن، تحديداً نتيجة حركات السكان القسرية وأدت إلى تهديد النظام البيئي برمته.

حدث ذلك في ضوء ما يتردد اليوم من ممارسة يختصرها مفهوم مضاد يصف شكل الدولة الخاضعة لقوة العولمة ولمنظور "الليبرالية الجديدة" أي "الدولة الهزيلة" أو "الدولة الرشيقة" بالمفهوم المقابل؛وهي الدولة التي تخفض من النفقات وتنسحب من الأدوار الاجتماعية؛ وتعد البيئة احدى أكبر ضحايا "الدولة الهزيلة" وهي ضحية صامتة تنتحر بسرعة وبصمت في نفس الوقت،فالترشيق يذهب مباشرة نحو إضعاف القوة النسبية للدولة في التأثير في بنية المجتمع ووظائفه؛ فالدولة وفق هذه الممارسة غير قادرة على التأثير في المجتمع لجهة خفض معدلات النمو السكاني وترشيد توزيع السكان الجغرافي وتطوير الخدمات الأساسية لسكانها،وخلق ثقافة صديقة للبيئة ولتحسين نوعية الحياة،بينما تترك "الدولة الرشيقة" الحبل على الغارب لقيم الرأسمالية المنحلة التي لا توجد حتى في الأصوليات الرأسمالية من السعي إلى الربح السريع والفهلوة والشطارة واستهلاك الموارد الجائر.

نجد صدقية هذا الطرح حينما نكتشف أن معظم أفكار التنمية والبيئة السائدة في العالم النامي منذ(50) عاماً تقع تحت هيمنة السوق ومنطق التجارة. فمعظم التفاعلات الدولية الإقليمية والمحلية التي تتم تحت بنود دفع التنمية وحماية البيئة تعود في أصولها ودوافعها إلى هيمنة السوق التجارية بدوافع سلعية بحتة.وفي العالم العربي تبين الدراسات أن أكثر من نصف المشاريع التنموية التي نفذت وهدرت فيها أموال طائلة خلال العقود الأربعة الماضية جاءت بهدف تسويق تجارة السيارات،حيث استهلكت أكثر من نصف الموازنات المخصصة لقضايا التنمية على البنية التحتية حسب دراسة لمنظمة "الأسكوا".

قبل يومين، انقطعت الكهرباء في منطقة صويلح لمدة (20) ساعة بسبب تلف لحق بمحولات الكهرباء المركزية من قبل الجرذان،بينما يتحدث الناس في أحياء متعددة من العاصمة عن قطعان من الجرذان وأشكال وألوان من الفئران تداهم الأحياء والبيوت، وفي الطيبة جنوب عمان مسطحات مائية تظهر فجأة وبدون سابق إنذار وتخلق مكاره صحية وأسرابا من البعوض والذباب وأشكالا وألوانا أيضاً من الحشرات الطائرة. ولا يزال تلوث مصادر المياه آخذ في الانتشار في الكثير من مناطق المملكة ومعظم الينابيع وعيون المياه لم تعد صالحة للشرب. شبكات المياه أصبحت مهترئة،وخلال السنوات القليلة الماضية تم استهلاك البنية التحتية لنقل المياه نتيجة الضغط المتراكم مما جعل هذه البنية في جهات عديدة تتدهور قبل عمرها الافتراضي.

الظواهر البيئية الأخرى التي تهدد النظام البيئي تتكرر في مناطق لم نكن نتوقع أنها مهددة بيئياً في السابق، لم تحل مشكلة "ذبابة الرمل" في بلدة القويرة من جذورها والتي تسببت في انتشار مرض اللشمانيا في تلك المناطق،ولا تزال أسباب المشكلة قائمة في عشرات الأنواع من القوارض التي تشكل حاضنات للعديد من الأوبئة في منطقة عبور ذات حساسية عالية تربط آسيا بإفريقيا،ويعبر منها سنوياً حوالي مليون ونصف مليون مسافر من بيئات مختلفة يوجد فيها مئات الأوبئة التي تبحث عن حاضنات لها.

الأردن الرسمي مطالب اليوم بإعداد دراسات علمية مقنعة وإجراء تحولات جوهرية في خطابه السياسي الإقليمي والدولي إزاء التحديات البيئية الكبيرة التي تهدد نظامنا البيئي وبالتحديد في تأثيرات الهجرة القسرية والمفاجئة الكبيرة، وحركة العبور والسفر، وقبل هذا وذاك فإن التهديد الذي يشهده النظام البيئي يلفت الانتباه بجدية إلى مراجعة جريئة ورشيقة تُوازن بين قوة الدولة وترشيق الدولة!   

[email protected]