التخاصية.. جانب آخر

اتاح لنا اللقاء الذي نظمته الهيئة التنفيذية للتخاصية قبل ايام والعرض الذي قدمه رئيسها عادل القضاة فرصة الاطلاع على بعض جوانب عمليات التخاصية وقانونها ومنطلقاتها وما تم انجازه منها, لكن قصة التخاصية لم تعد جديدة, وتخطت مرحلة النقاش الا في آليات التنفيذ ومدى الشفافية وتطبيق القانون, وجدوى خصخصة هذا المشروع او ذاك, والاثار الاجتماعية, ومنذ عام 1996 انطلقت التخاصية، وها نحن اليوم نجد ان عوائد التخاصية التي تجاوزت (1.2) مليار, لم يبق منها الا ما يقارب (250) مليوناً فقط, حيث تم انفاق حوالي (مليار) من النقود في مشاريع ترى الحكومات انها هامة وضرورية تصنف في خانة المشاريع الرأسمالية, بينما يعتقد البعض ان هذا الانفاق يحمل نوعاً من الوهم, لان المشاريع التي تم الانفاق عليها من اموال التخاصية كان يجب ان تغطى من الخزينة, لكن ما تم هو توفير هذه الاموال وانفاقها على النفقات الجارية, وكأن الامر تحويل هذه المئات من الملايين الى جزء من الموازنة بشكل غير مباشر, وتلاشت تلك المصطلحات التي تتحدث عن صندوق الاجيال, ومعايير التشدد في الانفاق, فمن الطبيعي في دولة محدودة الموارد ان تمد يدها الى اموال التخاصية للانفاق ومن ثم يتم البحث عن المخرج, تماماً مثلما يتسلل الزوج الى (ذخرة) زوجته من اساور و(سليتيات) مع انه يغرقها بالحديث عن اليوم الاسود والقرش الابيض, وكلما كان الفقر في البيت اكبر تسلل الاب الى جيوب اطفاله والحصالات التي يجمعها الاولاد من مصروفهم او عيدياتهم, وكلما فتح حصالة لاطفاله اغرقهم في الوعود بأنه سيعيدها لهم عند الراتب لكن ما تأخذه اليد يتحول الى تاريخ وذكريات. وقد يكون الوقت قد فات لكن هذا لا يمنع من التوقف عند بعض المشاريع والمؤسسات الخاسرة التي تم خصخصتها ومنها ما اشار اليه رئيس الهيئة وهو مصنع الاخشاب في العقبة الذي بقيت لجنة التصفية تعمل فيه حوالي (16) عاماً اي منذ عام 1987 وحتى 2002 وعمل لجنة التصفية يعني توقف المصنع عن العمل, كما ان لجنة التصفية تتقاضى رواتب ومكافآت واموالا طيلة هذه السنوات, ومثل هذا المثال يؤشر على نوعين من الخلل؛ الاول في ايصال هذه الشركة الى الخسارة, والثاني استغراق عملية التصفية هذه السنوات الطويلة, فدول لم تستغرق تصفيتها الا عدة اسابيع, والاتحاد السوفياتي تم تفكيكه خلال سنوات بينما تصفية مصنع الاخشاب تحتاج الى (16) عاماً, وكل هذا يتحول الى ملايين تحملتها الخزينة وتحملها الاردنيون.

اضافة اعلان


وتفاصيل عملية الخصخصة تتحدث عن مئات الملايين من الخسائر في الملكية الاردنية التي قطعت حتى الان شوطاً طويلاً في الخصخصة, لكن هذا لا يلغي تلك المراحل الطويلة من الخسائر المتراكمة, وليس تبسيطا او تسطيحا للامر ان نقول ان من امتلكوا باصات في العقود الماضية على خطوط المملكة اصبحوا الان من الاثرياء, وان بعض ابناء القرى والمدن ممن اخذوا خطوط باصات على القريات او الاحياء في المدن كونوا ثروات ووسعوا اعمالهم فكيف بشركة طيران احتكرت النقل الجوي وتم الانفاق عليها من مال الخزينة, كيف تمر العقود وتتراكم الخسائر فيها الى مئات الملايين.


الشركات والمؤسسات ذات الخسائر الكبيرة والتي خضعت للخصخصة تكشف  ليس عن خلل في كفاءة الادارة وقدرات العاملين, بل عن قضايا خاصة بالرقابة وضبط العمل والثغرات في الادارة والتشريع التي تجعل الباب مفتوحاً لكل الخيارات, وكما اشار مدير هيئة التخاصية فإن مشروع شركة الاخشاب الذي كان خاسراً وخضع للتصفية (16) عاماً اصبح الان من المشاريع الناجحة في مدينة العقبة.


التخاصية ليست تحويل الادارة الى قطاع خاص لكنها في الدول ذات المقدرات المحدودة ترتبط بسلطة الدولة, فالدولة التي تخرج من يدها مؤسسات وشركات تضحي ببعض اوراق السيادة والنفوذ, وهذا ما يجعل البعض يرى في الخصخصة بيعا لمكونات الدولة, وهذا التفسير او الفهم يحاول اعطاء الخصخصة بعض جوانبها السياسية والتي لا يحب بعض رجال الخصخصة الحديث فيها ويقدمون الامر على انه عملية تجارية في بيع اسهم شركات, لكن الامر يتعدى الاطار الاقتصادي؛ فمقدرات الدولة لا تخضع لحسابات البورصات المالية فقط.