التخلي عن الدولار !

ثمة جهود تبذلها الحكومة للوقوف على تداعيات الإعصار المالي الذي يعصف بالأسواق العالمية ومركزه الولايات المتحدة، تلك الجهود تعتبر منطقية من باب تقدير حجم الأضرار والمنافع في سياق هذه الأزمة العالمية، غير أن التشخيص لم ينته بعد لطبيعة المرض الذي تسبب وما يزال في كل هذه النوبات التي تسيطر على العالم اقتصاديا وكذلك سياسيا واجتماعيا.

اضافة اعلان

سبق الجهود الحكومية الأخيرة جدل حول مدى تأثر الاقتصاد الأردني من كل ما يجري، وانتهى الجدل إلى عهد حكومي بضمان ودائع المودعين واستعدادات أخرى ذات صلة بالتشدد في السياسة النقدية للشهور المقبلة، وكثمرة من ثمار العمل الرسمي، اطلت علينا ايضا دراسة صادرة عن وزارة المالية مفادها ان التباطؤ سيسطر على الاسواق المحلية تبعا لتراجع قطاعات عديدة في الوقت الذي سينخفض فيه التضخم من مستوى متوقع بنسبة 16 % لعام 2008 الى 7 % العام المقبل وقد يصل الى 3 % في العام 2013.

اعتقد ان من المبكر الخوض في توقعات رسمية للتضخم في ظل سريان حال عدم اليقين بشأن حجم وشكل وتداعيات هذه الأزمة العالمية، فطبيعة الازمة ما تزال غير جلية لكثير من المخططين والسياسيين الاميركيين وحتى الأوروبيين والآسيويين، بالأمس القريب فتحت وكالة التحقيقات الفيدرالية " FBI " ملفات عديدة للوقوف على السبب الرئيس فيما يجري بالاستناد الى ان ما حدث تم على نحو خطط له عبر الدخول والتوسع بشكل حثيث في صناعة ثروات سريعة من خلال اصدار صكوك ائتمانية اولية " Credit Default Swap  " وسرعان ما تحولت تلك الصكوك - التي تعبر عن التزامات مالية مستندة الى المضاربات – الى مبالغ تقدر بعشرات التريليونات او بما يفوق 55 تريليون دولار، في الوقت الذي امست فيه بنوك الاستثمار الاميركية تحمل موجودات وميزانيات لا يوجد ما يسندها على ارض الواقع .

الاكثر اهمية في دراسة وزارة المالية التي نشرتها صحيفة "العرب اليوم" المخاوف من الاثار المترتبة على ارتباط الدينار بالدولار الاميركي، فثمة "توقعات بانخفاض قيمة الدولار على المدى المتوسط مقابل العملات الاجنبية الاخرى"، وتبعا لهذا الانخفاض فان الدراسة ترى انه سيؤدي الى "ارتفاع درجة انكشاف الاقتصاد الاردني للعالم الخارجي لاسيما اليورو ودول اسيا مما سيشكل ضغوطات كبيرة على الدينار".

تلك المخاوف تتزامن مع حديث جاد ودعوات تقودها الصين حاليا باتجاه التخلي عن الدولار على نطاق واسع، وان تتعامل كل دولة اسيوية واوروبية بعملتها الوطنية وبحيث يتم التبادل التجاري والمعاملات الاقتصادية الاخرى من دون اللجوء إلى الدولار، تلك الدعوات تصدرت الصفحات الاولى في الصحافة الصينية في عطلة نهاية الاسبوع الماضي وذلك في اعقاب طرح هذه الفكرة بشكل غير رسمي في القمة الاسيوية الاوروبية التي انهت اعمالها قبل ايام في بيجين.

عودة الاتجاه الهبوطي للدولار في الفترة المقبلة سيكون مكلفا بالنسبة للميزان التجاري الأردني وكذلك لحجم المديونية الخارجية، وبما ان خط التراجع قد بدأ بالفعل للعملة الاميركية فيما الازمة تتفاقم تباعا مع كل تشخيص جديد لأثرها، فان المطلوب يكمن في دراسة الحكومة خيارات عديدة ليس اقلها اشكالية ربط الدينار بالدولار، حتى لا ننتظر لحظة ينكشف فيها اقتصادنا بصورة مقلقة، او ان يسبقنا لاعبون كبار في اسيا واوروبا الى قرار مفاده التخلي عن الدولار.. لنقف وقتها ونتندم ونرقب حجم خسارات الداخل والخارج.

[email protected]