التدفئة القاتلة

توفي هذا الشتاء، حسب مصادر الدفاع المدني، عشرون شخصا بسبب التدفئة. ويذكر تقرير للزميل موفق كمال ("الغد"، 27/ 1/ 2016) أن عدد الوفيات بسبب سوء استخدام المدافئ وصل إلى 40 شخصا. وفي العام الماضي كان عدد الوفيات للسبب نفسه 23 مواطنا ومقيما، وكانت الإصابات بالمئات، وقد تعامل الدفاع المدني مع 307 حوادث بسبب التدفئة.اضافة اعلان
هناك مشكلة بالطبع مع أسلوب التعامل مع المدافئ. لكن المشكلة الأكبر هي تصميم البيوت وأسلوب البناء الذي لا يأخذ  التدفئة بالاعتبار، ويفترض بداهة أن تصمم البيوت والعمائر على نحو يمنع الاختناق، بإنشاء مسارب وأمكنة خاصة للتدفئة، أو بأي فكرة هندسية تجعل المباني مهيأة لحل المشكلات الناشئة عن تسمم الهواء من غير تدخلات أو خبرات إضافية يجب أن يتبعها الناس. سيظل بالطبع ثمة حاجة كبيرة للوعي والمهارات الأساسية، لكن يمكن تخفيض الخسائر والإصابات البشرية بسبب التدفئة، إن لم توقف نهائيا.
هناك عيوب وأزمات كبيرة ومرهقة في المباني السكنية يمكن تلافيها لو اتبعت قواعد وتقاليد صحيحة ومعروفة في البناء والتصميم. وهناك مكاسب إضافية مهمة في تحسين ظروف الإقامة في البيوت بالتهوية والإضاءة والتبريد والتدفئة، لو اتبعت قواعد وتقاليد معروفة وأخرى يمكن ابتكارها. وسبقت الإشارة كثيرا إلى المعاناة والضائقة في حياة الناس بسبب غياب قواعد البناء أو الغش، مثل تسرب المياه في الشتاء، وضعف كفاءة شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي، ورداءة مواد البناء وعدم العزل في الجدران والسقوف، وعلاقة الواجهات والأبواب والنوافذ مع اتجاهات وحركة الشمس والرياح. كما يحدث تلوث كبير في البيوت بسبب أسلوب الحياة وتصميم المطابخ والحمامات والنوافذ والتهوية فيها، والمواد المستخدمة في التغذية والتنظيف، أو بسبب الغبار والدخان المتسرب إلى البيوت بسبب تخطيط الأحياء والطرق وحركة النقل والمواصلات والأسواق والورش... ما يجعل الحياة في البيوت معكّرة بالتلوث والضجيج والإزعاج، وغياب الخصوصية، والإصابة بأمراض كثيرة منها الحساسية والربو، وزيادة فرص الإصابة بالأمراض الخطيرة المرتبطة بالتلوث.
وبالطبع، فإن المواطنين والمقيمين يتحملون المسؤولية والدور الأكبر لأجل تلافي الحوادث واتباع الإجراءات السليمة في التعامل مع أجهزة التدفئة، وأن يكتسبوا المهارات والخبرات الضرورية في ذلك، ويراقبوا الأطفال والأمكنة بعناية وحرص، فالقصص والأخبار التي تنشر عن مثل هذه الحوادث تؤكد أنه يمكن تلافي هذه الحوادث أو نسبة كبيرة منها بقدر من السلوك الصحيح.
لكن الأكثر أهمية أنه يمكن أن نفكر أو نجد حلولا كثيرة لتخفيض الحوادث الناشئة عن التدفئة أو لتقليل العامل والدور البشري في الإصابات. ويمكن، ببساطة، اقتباس التجارب والتقنيات المستخدمة في بلاد أخرى مناخها مشابه لبلادنا. فالمهم هو أن تبدأ المؤسسات الحكومية والشركات بالاهتمام بالموضوع، وأن تطور تشريعات عمليات ترخيص الأبنية باستمرار لاستيعاب الأفكار والتحديات، ولا يجوز أن تمر هذه الحوادث التي تتكرر في كل شتاء من دون توقف أو اهتمام.