التنجيم السياسي

إن أي تحليل لمستقبل أزمة الشرعية في العالمين العربي والإسلامي، لا يأخذ بعين الاعتبار مسارات الأزمة الثقافية الكبرى التي تحياها المجتمعات فيهما، سيدخل في دائرة التنجيم، أكثر من الرصد والاستشراف التاريخي والاجتماعي، وتحديدا ونحن نشاهد ما تؤول إليه التحولات العربية؛ ما ينقل مستقبل هذه الأزمة من البحث في الحقل السياسي، إلى الحقل الاجتماعي الثقافي. وهو الأمر الذي يتطلب، بالتالي، إعادة اكتشاف الشرعية السياسية وتعريفها من جديد، بعيدا عما تعوّدنا عليه من الولاء للحاكم أو للنخبة الحاكمة، إلى الولاء للدولة والطاعة للقوانين والتأييد للأهداف التوافقية الكبرى.اضافة اعلان
إن مصادر الشرعية تتجدد. وهي حالة سياسية تعكس الموقف الاجتماعي والثقافي. وما قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وتداول السلطة، إلا أحد تعبيرات أزمة الشرعية وليست الأزمة بأكملها؛ فهي أكبر من كل ذلك، وقد تصل إلى حد تدمير الأسس المعنوية والمادية المنتجة للجماعة كجماعة، ما يجعل الجماعة والوجود المادي للأفراد والدولة التي تمثل إطارهم السياسي، في مهب الريح. أليس ما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين اليوم، هو المثال الراسخ لأزمة الشرعية التي وصلت إلى هذا الحد؟
المجتمعات العربية لا تعيش اليوم مشهد الفراغ الاستراتيجي، وغياب المناعة، وتراجع القدرة على الاشتباك مع العالم بحثاً عن المصالح الوطنية، بما يعنيه الاشتباك من صعود أو تراجع؛ بل هي تحيا مشاهد متقطعة، معظمها ينتهي بالاندحار. وربما يُنظر لاحقا إلى هذه المرحلة على أنها شكلت أقسى لحظات أزمة الشرعية. إذ يُقاد الأفراد إلى فجوة نفسية عميقة، وغربة مريرة، يزداد فيهما الشعور بأن هذه الأوطان ليست لهم!
لقد جسّدت فعاليات السنوات الثلاث الماضية من التنظير والممارسة في محاولات تعبيد الطريق المتعثرة نحو الديمقراطية والتغيير السلمي في العالم العربي، حالة من التكييف الثقافي والسياسي الذي يعمل على إعادة إنتاج شرعية جديدة للنخب والطبقات السياسية التقليدية والجديدة، عن طريق استثمار العملية السياسية والمجتمعية السائرة نحو إحداث بعض الإصلاحات السياسية على ضحالتها، ولتكون آلة لترسيخ شرعية تلك النخب التي من الطبيعي أن لا تمهد لمشاركة سياسية حقيقية وفاعلة، بل إلى ترسيخ المزيد من ثقافة الطاعة، والحمد والشكر.
وللأسف، تعمل ثقافة الرشى السياسية التي ترتع في أحضان صيغة الحسنات والصدقات السياسية، على إعاقة الديمقراطية، وتقليص خلق فرص حقيقية لتداول السلطة أو توفير مناخ إيجابي لتقسيم عادل للثروة والقوة في المجتمع.
فكما أنه لا يمكن دراسة علم اجتماع التخلف بمعزل عن فهم اقتصاد المجتمعات المتخلفة، فإنه لا يمكن فهم إعاقة الديمقراطية من دون فهم علاقات الإنتاج الظاهرة والأخرى الكامنة، التي تحدد مصائر الأفراد، وتوجه في نهاية الأمر سلوك الدولة حيال رعاياها في بيئتها الإقليمية والدولية. هذا الفهم يحدد القيمة المادية والمعنوية للعطايا السياسية وتأثيرها، والتي لا تشكل العطايا المادية فيها إلا جزءاً يسيراً أمام العطايا المرتبطة بتوزيع القوة في المجتمع، وبالتالي المزيد من الغموض والتعقيد لمشهد الشرعية.
هذه الحالة الشائكة من الغموض، تضيف المزيد من الحيرة على فهم الفوضى السياسية والاجتماعية والثقافية الراهنة، وتجعل المهمة أشبه بالتنجيم. إذن، المدخل الموضوعي لتحليل مستقبل علاقات السلطة في العالم العربي بعد نهاية تحولات "الربيع العربي"، يبدأ من هنا؛ من حالة خداع بصري تتحول فيها عصا السلطة إلى عصا الساحر، من دون أن تفقد أدوارها التقليدية.

basimtweissi@