التنمية والمجتمع السياسي

تظهر المشكلة الحقيقية في علاقة النخب الطارئة مع المجتمعات، فيما تقدمه تلك النخب من وصف لهذه المجتمعات وحلول لمشاكلها، وأهمها، أولا: تحريف وتشويه الواقع فهي قادرة على تصعيد خطابات تخترع من خلالها وصفا مشوها للواقع، وثانياً: هي قادرة على تبرير هذا الوصف وتسويغه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مثل تزييف معنى الاصلاح السياسي وتوظيفه لغايات بعينها، او التخويف منه بفعل اجندة وهمية، وثالثاً هي قادرة على المغالاة في تقدير الاختلافات والفروق بين الجماعات، وقادرة في الوقت ذاته على الاستهانة بالتباينات داخل هذه الجماعات حسب ما تتطلبه أغراضها.

اضافة اعلان

في معظم تجارب التغير السياسي يتم تجاوز هذه الظاهرة فهي طارئة تستمر بضع سنوات وتنتهي، المعضلة تبدو في استدامتها، وإعاقة الخروج منها ولذلك أسبابه؛ أهمها غياب المجتمع السياسي الحقيقي، وعدم وجود حياة سياسية وعدم توفر التوافق على أهداف وقيم كبرى, ثم غياب منظور شامل يربط بين الاصلاح السياسي والتنمية بشكل عام، وفي غياب هذا كله تسود الهلوسة السياسية باسم التغير وتسود الانتهازية السياسية باسم الوطنية والمشاركة والحقوق.

 

النخب العربية المثقفة اعتادت النظر الى الدراسات التي تناولت موضوعات الاندماج السياسي والاجتماعي او الأقليات، وبالتحديد الدراسات الغربية بنظرة من الريبة والشك، على اعتبار أنها محاولة لتقويض الوحدة الاجتماعية والدعوة الى التجزئة، ولم تدرك هذه النخب بعد حجم الفخ الكبير الذي تقودنا اليه هذه الإشكالية في هذه اللحظة التاريخية في اشتباكها مع مسائل الوطن والمواطنة ولغز الديمقراطية على الطريقة اللبنانية أو العراقية. فيما لم تتوفر لدينا معرفة موضوعية واضحة في مجتمعات اخرى حول الطريقة التي يعرف بها الأفراد والجماعات في هذه البلدان أنفسهم، وكيف يميزون ذواتهم عن الآخرين، وكيف يفكرون تجاه المجموعات الأخرى، وماذا تعني لهم الدولة، وكيف يدركون مصالحهم ضمن نسيج الشراكة الاجتماعية والسياسية ولم نعرف بعد حقيقة اولوياتهم وخياراتهم السياسية والثقافية والاجتماعية، وكيف تفكر الدولة بهم.

الحديث الكثيف عن أثر التحولات الديمقراطية على طمس الولاءات التقليدية للأقليات او الجماعات الاولية على اعتبار أن تلك الولاءات تنتعش في ظل الشعور بالغبن والحرمان وتنامي مشاعر الخوف، لا يستقيم حينما تكون الديمقراطية والمشاركة فخا ينصب لتحقيق المزيد من إعاقة المسار التاريخي للاندماج حيث من المفترض أن المشاركة السياسية تنمي الاستعداد للتوافق والتراضي والقبول بفكرة التنازل عن السلطة للأكفأ وليست أداة لتفتيت الدولة الوطنية أو العصيان على الديمقراطية باسم الديمقراطية.

هناك تركيز على ثلاثة مداخل أساسية لتجاوز صدامات الديمقراطية والجدل حول الهوية؛ اولهما الفصل بين مسائل الهوية والصفقات السياسية، ثم مدخل  التحديث والتنمية  المتزامن مع التحول الديمقراطي، والمدخل الثالث التحول الديمقراطي وحده.

إلا أن الخبرة التاريخية خلال نصف القرن الأخير لم تكن منسجمة مع التعامل مع الديمقراطية وحدها والتحديث وحده، فالتنمية والتحديث والتقدم الاجتماعي من دون الديمقراطية زادت لدى الكثير من تلك الجماعات الشعور بخصوصياتها وتمايزها، ولم يثبت وجود علاقة طردية بين تنمية الأقاليم البعيدة وتأكيد الولاء للدولة، ففي بعض الأحيان كان الاهتمام بتنمية تلك الأقاليم سببا لمطالبة جماعاتها المتمايزة بالتعبير السياسي عن خصوصيتها الثقافية كما هو الحال في منح المزيد من الحقوق للجماعات التي تعبر عن تململها. فالمدخل الديمقراطي وحده سيبقى مدخلاً هشاً الى حين نضوجه بالتنمية، حيث من السهل استثمار أدوات الديمقراطية في اضطهاد الجماعات المتمايزة او الأقليات او حتى المجتمعات الاصلية، في حالات أخرى تصبح الديمقراطية أداة للأقليات لتفتيت بنى الدول الوطنية كما كانت الأخيرة أداة لاضطهادهم؛ فنضوج المجتمع السياسي في المؤسسة الرسمية ووسط النخب هو الكفيل بتحديد المسار الناضج الذي يجمع بين التنمية والاصلاح السياسي ويجعل العبور الاجتماعي والسياسي اكثر امنا؛ اذن المهمة العاجلة تبدو في البحث عن مجتمع سياسي مطبوخ جيدا واكثر نضوجا!

basim [email protected]