الجدل المسيحي الإسلامي في التراث العربي الإسلامي

لقد كان استمرار التواجد المسيحي وتواصل بناء الكنائس في الشرق الإسلامي دليلا حيا على استمرار المسيحية وقدرتها على التواصل بين أتباعها، وماتزال بعض الكنائس التي بنيت في العهود الإسلامية قائمة حتى اليوم، وبعضها لا يؤشر فقط على التعايش والتواصل، ولكن على تفاعل وجدل إسلامي مسيحي، فكنيسة أم الرصاص جنوب مادبا والتي كانت أهم مركز مسيحي في الشرق الأوسط التي أنشئت عام 740م أي بعد مائة سنة من الفتح الإسلامي كانت رسوماتها الفسيفسائية والباقية حتى اليوم معدلة على نحو فني احترافي يؤكد كما يقول المؤرخ الأردني صالح حمارنة بأنها ليست عملية تحريف وتشويه لتجعل من الكائنات الحية أقرب إلى التجريد وعدم الاكتمال، وذلك بناء على فتوى مسيحية لم تعمر طويلا بتحريم رسم الكائنات الحية على نحو تام، وهي فتوى ربما تكون قد تأثرت بالفقه الإسلامي الذي تحرم بعض اتجاهاته ومذاهبه رسم الكائنات الحية.

اضافة اعلان

ويظهر التراث العربي والإسلامي قائمة طويلة من الكتب التي ألفت في جدل الأديان والدفاع عن نفسها والرد على بعضها على نحو يؤشر على حرية دينية واسعة، وماتزال المئات من هذه الكتب ومخطوطاتها محفوظة في المكتبات الأوروبية بخاصة، وقد جمع المستشرق الألماني موريتس شتنشيندر (المتوفى عام 1907) معلومات عن هذه المخطوطات، أماكن وجودها في المكتبات، وقدم تعريفا بمحتوياتها ومؤلفيها، وجميعها ألفت باللغة العربية في العصور الإسلامية المبكرة وفي مرحلة النهضة الفكرية والتدوين.

وقد ترجمت معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية لأول مرة عام 1143م، وربما يشير هذا التاريخ إلى بداية تشكل العلاقات والحوارات الثقافية بين المسلمين والمسيحيين في الغرب، كما ترجمت بعد ذلك بفترة قصيرة مجموعة من الكتب والمصادر في السيرة النبوية والتاريخ العربي والإسلامي، ثم بدأت موجة من الكتب والدراسات الغربية التي تنتقد الإسلام وتحرض على المسلمين.

وتظهر الدراسات والمخطوطات المحفوظة حتى اليوم في المكتبات الاوروبية نماذج من خطابات متبادلة بين الباباوات والسلاطين المسلمين، مثل رسائل إنوسنت الثالث (1198-1213)، ورسالة بابا الاسكندرية في سنة 1159، وكتب غريغور التاسع الى دمشق والمغرب وبغداد وتونس يقنع فيها حكام البلاد بالمسيحية.

ويجد المستشرق الألماني هيربرت بوسة في كتابه (أسس الحوار في القرآن الكريم، دراسة في علاقة الإسلام باليهودية والمسيحية) أن ثمة فرقا كبيرا كان في معاملة المسلمين لليهود والمسيحيين والقائمة على التسامح والتعايش والمواطنة الكاملة مقابل الاضطهاد الأوروبي للمسلمين في أوروبا والبلاد التي يسيطرون عليها، ومن الأمثلة الشهيرة والواضحة حتى اليوم نماذج التعاون والاندماج بين المسلمين واليهود في الأندلس، والمناصب التي تولاها مسيحيون ويهود في دول المسلمين، وندرة ذلك بل وعدمه في أوروبا في تلك الفترات.

ولكنا نلاحظ اليوم ومنذ القرن التاسع عشر مبادرات مسيحية عدة من الاهتمام بالإسلام والتراث الإسلامي والحوار الإسلامي المسيحي، وبدأت وجهة الحوار تأخذ الأبعاد المشتركة وآفاق العمل الممكنة وبخاصة في الفكر والاخلاق والاصلاح الاجتماعي، والحياة المشتركة، وتشجيع التدين بعامة، فالدين يمكن ان يكون مورداً للتنمية والسلام، وتستطيع المؤسسات الدينية والسياسية وبخاصة البلاد العربية وحوض البحر المتوسط ان تجعل من الدين عاملاً أساسياً في التعاون ومواجهة الأزمات والمشكلات بدلاً من الاستدراج الى العداوة والتطرف.

[email protected]