الجندي الشهيد

  الارهاب لغة تنطلق من فكرة قائمة على اشاعة القلق، لا يرى حرمة لدم المسلم ولا أمن الانسان. ولهذا، فالذي فكّر في استباحة أمن الناس في احدى المدن الاردنية امس، لم يكن يفكر او يحسب حسابا فكريا وانسانيا حول من سيكون الضحية، ودماء من تسيل. ومن ثم، فحين تسقط القذيفة على المستشفى، فربما كان الضحية طفلا او امرأة او رجلا من المدنيين، الذين هم رواد المستشفى، لكن القدر ان يكون الضحية جندي اردني، لأن المستشفى عسكري. وربما في هذا القدر الالهي رسالة او اشارة، بان هذه الفئة الكريمة من الاردنيين من الجيش هم حملة قدر التضحية، وهم ملح الارض الأردنية، وهم الكنز الذي لا ينفد للأردن، في زمن تردي اولويات آخرين، واستنزاف مفهوم الانتماء.

اضافة اعلان

  الجندي الشهيد وزميله المصاب عنوان حقيقي لمدى العمى الفكري والسياسي للجهة التي وقفت وراء الارهاب الذي عاشته العقبة. فمن يريد الدفاع عن الأمة وقضاياها لا يقذف بالمتفجرات باتجاه مستشفى، او حتى نحو ميناء، وان كان على شاطئه سفينة اميركية. ولأنه ارهاب، فإن ما جرى في إيلات ونحو البارجة لم يكن اكثر من تهويش، اما الدم والأرواح والشهداء فهي اردنية عربية مسلمة. وقد يكون الشهيد أبا لأطفال، وهو ابن لأم وأب، وقبل هذا وبعده جزء من جيش عربي، يمارس عمله في مستشفي لمعالجة الاردنيين. لكنه العمى الفكري والحقد الشمولي الذي اصبح لغة عقيمة لا تخدم اي فكرة، ولا تحمل اي رسالة الا رسالة القلق واهدار حق الانسان في حياة آمنة مستقرة.

  ان يشهد الاردن مثل هذا الحادث فهذا امر تعرضت له دول عربية ومسلمة عديدة، والأمر ليس كارثة الا بالقدر الذي يحمله على العقل الإنساني، الذي يصاب بانحراف يجعله يستبيح الدم -كل الدم- ويهدر حرمة الانسان، ويصبح الحال عبثيا، وكأن القدرة هي في ان تقذف قذيفة او قنبلة بغض النظر عن العقل ومضمونه.

  ما جرى لم يكن قصفا لإيلات، بل ارهاب في الاردن وقتل لضحايا من ابنائه. اما القذيفة اللعبة التي وصلت الى ايلات، او تلك التي ارسلت الى سفينة اميركية، فهي عبث سياسي. فالشهيد اردني، والرعب اصاب رواد المستشفى، اما اهل ايلات فالأمر لم يكن اكثر من حادث عرضي، وما جرى استمرار لفكر استباحة الارض والإنسان العربي والمسلم.

  واذا كان العلماء والحركات الإسلامية الأم قد ادانت قتل المدنيين في تفجيرات الحادي عشر من أيلول، فأي عقل يجيز ان يعبث البعض بحق الناس في الأمن والحياة، وان تظهر ابداعاتهم وقدراتهم في مستشفى اردني وعلى حساب حياة جندي اردني؟

  لو ان احدنا صلى الظهر خمس ركعات لكانت صلاة باطلة، ولو صام احدنا من منتصف الليل حتى صلاة العشاء لما نال اجر الصيام ولخرج عن الشرع، فكيف بمن يغلّف القتل وهدر الارواح واشاعة الفوضى بأي فكر او رسالة؟! فلا رسالة مع استهداف المدنيين وقتل الناس الا رسالة الإرهاب والعبث، مهما كانت الديباجة والاكسسوارات والشكليات.

[email protected]