"الجهاديون" بين قوسين..!

لا يقبل أي منطق عقائدي أو أخلاقي أو عملي، أن يحتفظ  أحد بأي أوهام حول الذين يدعون أنفسهم اليوم "الجهاديون". ولا يجوز أن يتذرع أحد بالصلة المختلقة المختلة بين هؤلاء وبين دلالات الجهاد في الوعي الإسلامي، ليتعاطف معهم في القلب أو الممارسة. ولا يمكن تصوُّر أن يكون الجهاد عامل هدم وتقتيل وعدوان، لا في داخل المجتمع الإسلامي، ولا في علاقته مع المجتمعات الأخرى في العالم.اضافة اعلان
لن يختلف أحدٌ منا على إجلال مجاهدين مثل عمر المختار، أو عز الدين القسَّام، وعشرات الآلاف من الأسماء المعروفة وغير المعروفة من المناضلين العرب الذين قضوا وهم يقاتلون من أجل كرامة مواطنيهم وأمتهم ضد الاستعمارات. ولا فرق في تلك النضالات بين المنطلقات العقائدية للمقاتلين ضد المحتلين أو في داخل المجتمعات ضد الظلم ومن أجل العدالة، لأن غاياتهم العملية كانت تضع تلك المنطلقات في الظلال. كانت غاياتهم هي: الحرية، والكرامة، والحياة لشعوبهم.
ربما يكون أول ظهور للمعنى الجديد الذي نُسب إلى الجهاد حديثاً، هو ما سُمِّي "المجاهدون العرب في أفغانستان" في ثمانينيات القرن الماضي. وقد ربط هؤلاء أنفسهم بوضوح بهوية دينية إسلامية. لكن من الصعب تصوُّر كيف كان "الجهاد" الذي مارسوه مرتبطاً بالحرية والكرامة والحياة لشعوبهم العربية. وعلى سبيل المثال، هناك دائماً هذا السؤال المحير عن ذهاب شخص مثل عبدالله عزام، الفلسطيني الذي وطنه محتل، للجهاد في أفغانستان ومغادرة بلده. هل من المعقول أن "الجهاد الدولي" يعني تحرير القدس بدءاً من هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وتنصيب "طالبان" هناك؟ وهل القتال ضد الاحتلال في فلسطين ليس جهاداً، لأنّه ليس "أمميَّاً" (مع كراهية "مجاهدي" القاعدة وأمثالهم كلمة الأممية، باعتبارها علمانية)؟
ثمة شيء أكثر مدعاة للحيرة أيضاً في فكر هؤلاء الجهاديين. فحسب أدبيات تنظيم "القاعدة" التي نسخها "داعش"، هناك خطة وضعها منظر تنظيم "القاعدة" وقائد عملياته، سيف العدل، والتي تحدد مراحل مرتبطة بسنوات، تنتهي في العقد المقبل تقريباً بهزيمة الغرب النهائية في مرج دابق في سورية. وحسب هذه الرؤية (أو عدم الرؤية)، سوف تنتهي بعد هذه المعركة قوة الغرب وتقوم الخلافة العالمية. لكن الأهم هو أن هذا الانتصار على الغرب سيؤذِن بقيام الساعة، أي نهاية العالم.
لماذا يريد "الجهاديون" تسريع نهاية العالم وقيام الساعة؟ وكيف يروجون أنهم مكلفون من الله -جل شأنه- بتسريع يوم القيامة كمهمة مقدسة، وكأن قدومه مشروط بعملهم وتخطيطهم وليس بإرادة الله؟ هل معقولٌ أن الغَرب كلَّه سيُهزم هزيمة ماحقة في معركة "فاصلة" في دابق؟ وماذا عن الشرق، الصين والهند وما شابه، والأفارقة واللاتينيين؟
ثم، ما دخل تحرير المسلمين والانتصار لكرامتهم بتفجير المسلمين بالمفخخات والأحزمة الانتحارية في أسواق بغداد، أو فنادق عمان؟ وكيف يكون اغتيال جنود عرب ومسلمين على الحدود جزءاً من هزيمة الغرب، وقبل ذلك جهاداً من أجل حرية وكرامة وحياة المسلمين؟
من الواضح أن "الجهاد العالمي" بهذه الكيفيات ليس عالمياً، يقصد تحرير البشرية من دنيويتها. إنه في الحقيقة شطب للبشرية كلها باستثناء فئة بمواصفات مخصوصة. وأول المستهدفين بالتصفية في المشروع "الجهادي"، هم المسلمون كافة  الذين ليسوا "داعش" أو القاعدة؛ بل كل من ليست له لحية ولا يرتدي الزي الباكستاني أو الطالباني؛ بل وصاحب اللحية والزي من الفصيل "الجهادي" الآخر. ثم بعد ذلك، إرسال البقية سريعاً إلى الآخرة بتسريع قدوم يوم القيامة.
وفق أي منطق، لا يمكن أن يكون الإرهاب والقتل بدم بارد هو أعلى درجات الإيمان، ولا يمكن أن يوصي به أي دين ولا عقيدة. وإذا كنا نجتهد في تعقب الأسباب التي تدفع الناس في مناطقنا إلى التطرف، فإن الأسباب لا تعطي هؤلاء رخصة للقتل أو تستوجب أي تعاطف مع ما يفعلون.
الذي فعلوه ببساطة، هو أنهم وضعوا مفهوم "الجهاد" بين أقواس، وأقحموا هذه اللفظة في اللغات الأجنبية مرتبطة بأسوأ الدلالات. وقد أصبحت كل اللغات تستخدم "الجهاد" والـ"جهاديون" بلفظها العربي كمرادفات للإرهاب والإرهابيين، وتعتبرها صفات أصيلة في الإسلام والمسلمين. وكان أبرز منجز للـ"جهاديين" هو قتل أحلام العرب المسلمين أولاً من الحرية والكرامة، وإجهاض مسعاهم إلى العدالة والقوة والحياة.