الجيل السابق يسقط أزمته على الجيل الحاضر

هل تتراجع الأجيال في انتمائها ومشاركتها العامة، وفي مستواها العلمي والثقافي؟ الانطباع السائد هو أن الجيل الحاضر أضعف في المعرفة والمشاركة والانتماء والاهتمام بالعالم من الجيل السابق. وهو اعتقاد/ وهم سائد ومتكرر على نحو يدعو للتوقف والتفسير!اضافة اعلان
قبل عشر سنوات، كانت الملاحظة نفسها تُطرح بشأن الجيل الذي يمارس اليوم انتقاد الجيل السابق. ولا يتذكر هذا الجيل أنه كان قبل عشر سنوات يتعرض للانتقاد نفسه، وقبل عشرين سنة كان الجيل الأسبق يتعرض لانتقاد وسخرية.. فكل جيل يتحدث عن مستوى التعليم المتقدم على أيامه.
وأستمع اليوم إلى أشخاص أصغر مني سنا يتحدثون عن التعليم في زمانهم بافتخار واعتزاز، ولكني أتذكر أننا كنا نتعرض للسخرية والنقد من أساتذتنا والكبار، ونوصف بأننا جيل مدلل، وأن التعليم قبلنا كان أفضل، وأن أبناء الجيل السابق لنا كانوا أكثر مشاركة وحماسا وإقبالا على العمل. وبالطبع، لو كان هذا "الحكي" صحيحا، لتعلمنا شيئا مفيدا ومعقولا من الجيل العظيم. والصحيح أن معلمينا (إلا من رحم الله)، لم يتلقوا تأهيلا علميا ولا مسلكيا كافيا ليكونوا معلمين، وكان يغلب عليهم الضعف المعرفي، ويمضون أوقاتهم  بالتسلي بإهانة الطلبة وتعذيبهم، واللعب والأكل والنظر في الفراغ، وتمضية الأماسي في لعب الشدة ومتابعة مسلسلات تافهة، والنميمة وتكرار القصص نفسها كل يوم مثل المأثورات، عن قصص الناس وأسرارهم. ولو كانوا يملكون شيئا مفيدا، لاقتبست منهم الأجيال شيئا.
لم يكن التعليم بخير منذ القرن الحادي عشر الميلادي؛ ولم تغير المدارس والجامعات شيئا يذكر في مستوى التعليم في بلادنا؛ ولم تكن مؤسسات الدولة الحديثة سوى عمليات صيانة وتحديث للتخلف؛ ولم تكن المشاركة العامة إيجابية في مجتمعاتنا منذ ألف سنة.. وما نفتخر ونعتز به هو ثقافة زراعية ورعوية لا تصلح أبدا للمجتمعات الصناعية والمعرفية الحديثة. والعالم يدخل في اقتصاد المعرفة، ونحن ما نزال على عتبة الصناعة التي دخلها العالم في القرن الثامن عشر ويغادرها اليوم إلى مرحلة جديدة ومختلفة.
لم نكن بخير في يوم من الأيام. ومعظم ما نعتز به ونتذكره باعتزاز يدعو للسخرية والخجل؛ الثقافة والأدب والفنون والدراما والشعر والموسيقى، والكتب والمناهج والمدارس، والمؤسسات والاقتصاد، والطرق والبيوت، والطعام واللباس، والعلاقات وأسلوب الحياة، والعمل والإنتاج...
لكن السؤال: لماذا يشعر أغلب الناس بالحنين إلى أيام الصبا؟ ولماذا يعتقدون الماضي أجمل، وأن الحاضر بائس؟
الواقع أن الأجيال عندما تكبر قليلا وتدخل في مرحلة العمل ومواجهة الحياة، تدخل في مرحلة من الشعور بالعجز عن مواجهة متطلبات الواقع العملي الجديد، والضعف والملل واليأس والفشل.. وتطحنها دوامة العمل والحياة والعلاقات وثقافة المجتمع القروسطية والنخب الإقطاعية الأنيقة الفاشلة التي تحسب نفسها متقدمة وهي لا شأن لها إلا حراسة التخلف.. الحلقة الضائعة هي ما ينال من الشباب بعد سن الخامسة والعشرين!
وعلى سبيل المثال، فإن الجيل الحاضر الموصوف بجيل "فيسبوك" والألعاب الإلكترونية، صنع "الربيع العربي"، فيما الجيل السابق من الكبار والمناضلين أجهض "الربيع"، وباعه واشتراه.