الحراك السياسي اللبناني

المتابع لتطورات الاحداث في لبنان  يجد نفسه مدفوعا للاعتقاد ان هذا البلد الشقيق يعيش حالة من التمزق والصراع وانه قاب قوسين او ادنى من الانهيار السياسي.

اضافة اعلان

من يكتبون ضمن هذا التصور متاثرون بسنوات طويلة من الحرب اللبنانية الاهلية والتي لا احد منهم يريدها ان تتكرر، ولكن هذا لا يعني بحال من الاحوال ان لا نرى الجانب الاخر من القصة اللبنانية وان لا نضعها في اطارها الصحيح.

ما يحدث في لبنان قد ينظر له من وجهة نظر ديمقراطية على انه يوم عمل عادي وغير استثنائي تقوم المعارضة فيه بممارسة حقها الطبيعي في تمرير مطالبها السياسية بعد ان وصلت لقناعة انها تمتلك من القوة السياسية ما يؤهلها لعمل ذلك وبعد ان استطاعت ان تقولب نفسها ضمن مجموعة مطالب قابلة للتطبيق أولا ويمكن فهمها من قبل شريحة عريضة من اللبنانيين ثانيا. المعارضة قد تكون استخدمت مقتل الحريري والجو العام السائد بعد وفاته لاعطاء دفعة سياسية قوية لاجندتها ومطالبها ولكن هذا ايضا يعد سلوكا ديمقراطيا روتينيا.


الحقيقة ان ما يحدث في لبنان للان لا يجب ان يقلق احدا رغم انه من الصعب علينا جميعا ان ننسى ذكريات الحرب الاهلية التي ما زالت حاضرة. ما يجب ان يقلقنا هو انضمام المعارضة للحكومة، بالتخلي عن مطالبها، او توحدها معها ضمن اجندة مصلحية سياسية لانه عندها يكون اهم مبدأ من مبادىء الديمقراطية قد تلاشى وهي التنافسية السياسية.

تعددية الطرح السياسي قيمة يجب ان يسعى كل اللبنانيين للحفاظ عليها والوحدة والتوحد امر غير محبذ اطلاقا اذا ما كان النقاش عن السياسة المحلية واذا ما كان الهدف تعزيز استمرارية الديمقراطية. حتى لو تحققت مطالب المعارضة المدرجة حاليا فيجب ان تظهر سلسة اخرى من المطالب السياسية كاجندة جديدة للمعارضة فهذه هي الطبيعة الديمقراطية الصحية.

الاتفاق يجب ان يكون على ادوات وقوانين العمل السياسي ولكن ليس على الاجندة والمصالح السياسية. ففي الوقت الذي تجتمع القوى السياسية اللبنانية وتتفق على مصالح فئوية وعلى اتجاهات محددة من السياسات في ظل غياب البدائل يكون لبنان مؤهلا لان يشهد تراجعا ديمقراطيا وتحولا نحو دكتاتورية اوليجاركية وفي الوقت الذي لا تتفق هذه القوى على المصالح ولا على قوانين العمل السياسي يكون لبنان متجها لحالة من الفوضى والعنف. القوى السياسية اللبنانية إلى الان مختلفة مصلحيا ومتفقة على قوانين العمل فحتى اكبر هذه القوى واكثرها تنظيما وحضورا وهو حزب الله ارسل مؤشرا قويا على التزامه بقوانين العمل السياسي إذ لم يخرج عن هذه القوانين على الرغم أن مصلحته ورغبته هي باستمرار التواجد السوري في لبنان.       

اما السؤال المطروح حول تدويل ما يحدث بلبنان ضمن اصوات كثيرة تحذر من خطر حدوث ذلك فيقع ضمن العقلية الوستفالية الشرق اوسطية العريقة والتي لا زالت تتمسك بمبدأ معاهدة وستفاليا (عام 1648) الشهير بضرورة عدم التدخل بشؤون الدول الداخلية، الامر الذي اصبح يعتبر مجرد خرافة سياسية ضمن معايير العولمة والاعتماد المتبادل. ان اي شأن داخلي لاي دولة في الشرق الاوسط هو حكما شأن اقليمي وشأن دولي ايضا وذلك لاعتبارات مصلحية واستحقاقات وتداخلات سياسية حقيقية. العقلية الوستفالية ليست في مصلحة احد ولا بد للباحثين عن مكتسبات سياسية ان يكونوا مبادرين وان يتحركوا ضمن واقع القوانين التدخلية السائدة حتى تتعظم القدرة في الحفاظ على المصالح.