الحريصون على سايكس-بيكو

حتى في دول عربية طغى الطابع السلمي على ثورتها التي أطاحت برؤوس أنظمتها، كما هو حال تونس ومصر تحديداً، تتزايد اليوم حالة الاستقطاب التي تنذر بالانجرار إلى عدم استقرار ممتد، يحمل بذور تفجر اقتتال حقيقي بين "الإخوة الأعداء"، وصولاً ربما إلى الوضع الذي تجسده الحالة السورية، كما الحالة الليبية إلى حد ما، في أبشع صوره.اضافة اعلان
مثل هذا الواقع، ونتائجه الكارثية المحتملة أو حتى المتوقعة، تمنح الذريعة لأعداء الربيع العربي، من قوميين ويساريين خصوصاً، للترويج لفكرة أن هذا الربيع ليس سوى "سايكس-بيكو" جديدة، لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ. لكن هؤلاء في ادعائهم هذا لا يريدون أبداً الاعتراف بأسباب "موت الدول والبلدان"، كما وصفت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية الدولة سورية، في تقرير لها بتاريخ 23 شباط (فبراير) الماضي.
فالشرط الأول والأهم لموت البلد، إنما يتمثل في موته قبل ذلك من حيث هو "وطن". وكما تؤكد التجربة العربية تحديداً، ومنذ الاستقلال، فإن ثمة فرقاً شاسعاً جداً بين "الدولة" التي أوجدتها سايكس-بيكو الأم، وبين "الوطن" الذي أجهضته الأنظمة الحاكمة المحسوبة "وطنية".
ولعل ما يحسب لبشار الأسد (وقبله معمر القذافي في ليبيا) منذ اندلاع الثورة، إدراكه لهذه الحقيقة، بتحذيره من موت سورية الدولة، عبر تقسيمها، وغيرها من دول المنطقة. فمع إصراره على رفض تحويل سورية إلى وطن لكل مواطنيها، عبر الاستجابة لأبسط المطالب المشروعة للمتظاهرين السلميين على امتداد الأرض السورية، قبل أن يجبروا على حمل السلاح؛ كان الأسد يدرك تماماً أن النتيجة الحتمية لذلك هي موت الدولة.
هكذا، يكون صحيحاً تماماً أن المحذرين من سايكس-بيكو جديدة، عبر دعم وتأييد أنظمة الاستبداد، منذ عهد جمال عبدالناصر، مروراً بصدام حسين ووصولاً إلى معمر القذافي وبشار الأسد وغيرهم، إنما هم مَن يدافعون، من حيث دروا في الأغلب الأعم أم لم يدروا، عن سايكس-بيكو الأم، والمكتسبات التي حققتها لأنظمة أوغلت في كرامة من يفترض أنهم مواطنون، ونهبت خيرات بلد كان يفترض أن يكون وطنهم. وإذا كان من مصلحة جلية لأنظمة "مقاومة الحرية" والمرتزقين منهم في صون معاهدة التقسيم الأصلية، فليس من مصلحة أبداً للشعوب في ذلك، بل العكس تماماً. وليظهر هنا الفرق بين شعوب من العامة تتوق إلى الحرية والكرامة، وبين نخب تدعي الفكر والثقافة وتتحدث باسم هذه الشعوب لتدعم الاستبداد والفساد.
ففيما نخب الاستبداد أياً كانت عباءتها؛ قومية أم يسارية أم إسلامية، تخيّر الشعوب بين الموت استبداداً، أو الموت استعماراً، أو الموت اقتتالاً أهلياً، فإن "العامة" التي يفترض بها البساطة أو لربما قيل السذاجة والجهل، تبدو أكثر ثقة وجرأة من أولئك "النخبويين" المزعومين؛ إذ إن أبناء العامة هؤلاء هم من يجازفون بأرواحهم لإنقاذ "الوطن"، شرطاً لإنقاذ الدولة التي ماتت سريرياً أو فعلياً منذ أمد.
ليس الربيع العربي سايكس-بيكو جديدة أبداً إلا بقدر ما يريد ويتمنى المستبدون والفاسدون وأنصارهم في الداخل والخارج؛ هو في الواقع الفرصة الأخيرة لإنقاذ الوطن والدولة.. وإنقاذ الأمة ككل.

[email protected]