"الحكومة البرلمانية":الضرورة والواقع

منذ رحيل حكومة الرئيس عبدالكريم الكباريتي، اخر حكومة برلمانية، والدعوة الى تشكيل حكومة برلمانية، لم تتوقف. واللافت للنظر ان هذه الدعوة تنطلق من فعاليات برلمانية دون غيرها. فلم اسمع او اقرأ مثل هذه الدعوة من غير الوسط النيابي.

اضافة اعلان

وقد ارتفعت وتيرة التكهنات بتشكيل مثل هذه الحكومة عشية اجراء الانتخابات النيابية الاخيرة، في تشرين الثاني2007، ولم تتوقف حتى بعد تشكيل حكومة المهندس نادر الذهبي.

وذهب البعض يعزي تشكيل كتلة برلمانية كبيرة في المجلس "كتلة التيار الوطني" كمقدمة لتشكيل حكومة برلمانية.

اليوم وبعد ان شارفت الدورة البرلمانية الاولى على الانتهاء فقد ضعف الحديث عن الحكومة البرلمانية، ولم يعد يتردد الا على لسان نفر قليل من النواب، يوظفون الحديث عنها لأغراض الاستقطاب النيابي.

الدعوة الى حكومة برلمانية ينظِّر لها عدد من اقطاب البرلمان. ينطلقون في دعوتهم لها من حيثيات ومقدمات سياسية مقنعة، لكنها للأسف لا تتوفر في مجلس النواب الحالي وتشكيلاته السياسية المعبر عنها في الكتل البرلمانية.

يقول اصحاب الدعوة الى الحكومة البرلمانية: ان ضعف الاحزاب السياسية يمكن تعويضه في التمثيل البرلماني، فالنواب قادة سياسيون واجتماعيون في مناطقهم، وهم على تماس مباشر مع قطاعات واسعة من المواطنين، ويعرفون حاجات مناطقهم، واكثر من غيرهم معرفة بهموم الناس وبتطلعاتهم. ويملكون مجسات حساسة لقياس مزاج الناس بحكم المعايشة اليومية معهم. ويرون ان الحكومات المتعاقبة، وبسبب غياب السياسيين عنها، تحولت الى حكومات معزولة شعبيا، افتقدت القدرة على تسويق قراراتها، ولم تراعِ في اولوياتها حاجات التجمعات السكانية بتوازن وعدالة.

وينتقد دعاة الحكومة البرلمانية، تشكيل الحكومات من شريحتي التكنوقراط والبيروقراط او تحالف الليبرالية الجديدة. ويعتبرون أنّ غياب السياسيين عنها يحولها الى حكومة موظفين، عاجزة عن ادارة حوارات وطنية حول القضايا الكبرى التي تهم الوطن والمواطن مما يوقعها في عزلة وغربة في آن واحد.

ويخلصون الى ان الحكومة البرلمانية قادرة على ملء فراغ غياب الاحزاب، وتؤمن العمق الشعبي والاجتماعي المفقود، وهذا من شأنه ان يساهم في تماسك الجبهة الداخلية في مرحلة سياسية واقتصادية واجتماعية متوترة، محليا واقليميا.

هذا التشخيص صحيح الى حد كبير، على ما اعتقد، لكن لم يقل لنا اصحاب هذا التشخيص الصائب، كيف ستتشكل حكومة برلمانية من برلمان لم يتشكل اصلا على اسس سياسية- برامجية، بل تشكل على اسس فردية ابعد ما تكون عن السياسة ومقتضياتها.

والتشكيلات البرلمانية القائمة فيه "الكتل" لا تمتلك الحد الادنى من قواعد العمل السياسي، وان كانت تضم فعاليات اجتماعية محترمة ونافذة واخرى بثقافة سياسية، اي برامج ستحملها الحكومة البرلمانية العتيدة؟!

لا ارى أنّ ايا من الكتل البرلمانية القائمة، لديها القدرة على تقديم برنامج للحكم لهذه المرحلة او لغيرها، ولا استثني كتلة نواب جبهة العمل الاسلامي الحزبية. فبرلمان يتشكل على قاعدة قانون "الصوت الواحد" بشكله الحالي، الذي يستند الى بنى المجتمع الاردني ما قبل اعلان الاستقلال، لا يمكن ان يفرز حكومة برلمانية تستجيب لدرجة تطور المجتمع وحاجاته، الى تحديث اساليب الحكم وتعزيز قيم المشاركة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

معارضة تشكيل حكومة برلمانية، تستند الى الكتل القائمة في مجلس النواب الحالي، برئاسة احد اعضاء المجلس او من خارجه، لا تعني انني أعارض مشاركة النواب في الحكومة، على ان تكون هذه المشاركة على اسس تعتمد الكفاءة والتنوع ومبررة سياسيا.

أمّا الداعون الى فصل النيابة عن الوزارة بحجة الفصل بين السلطات، وتفرغ النائب لمهمة التشريع والرقابة. فهذه الدعوة لا تستند الى اي سند دستوري، ناهيك انها معتمدة في اعرق الدول الديمقراطية التي يمارس فيها فصل حقيقي بين السلطات ولا تتغول فيها سلطة دستورية على اخرى.

وبديلا عن الحكومة البرلمانية التي لم تكتمل شروط تشكيلها، يمكن تشكيل حكومة تتمثل فيها التيارات الفكرية والسياسية والاقتصادية في المجتمع. التي تؤمن بالاصلاح وتدعو له وتعلن من اجله.

الاصلاح المنشود هو الاصلاح الذي يدعو له الملك بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. اصلاح يستند الى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويسعى لبناء الدولة المدنية العصرية الحديثة.

* نائب وسياسي أردني