الحكومة العراقية الجديدة: حلّ مؤقت لا بديل عنه

شكّل إبراهيم الجعفري الحكومة العراقية الانتقالية بعد جهد ومفاوضات وطول انتظار، ما يمكن أن يمثل حدثاً ذا قيمة في تاريخ العراق والمنطقة.

وما يجب التأكيد عليه في مناسبة كهذه، ومن منطلق اعتبار الاحتلال الأميركي للعراق بغيضاً دون شك، مثلما كان الحكم الاستبدادي كريهاً وغير إنساني، أن الوصول إلى "بديل ثالث" يتجاوز ثنائية الاستعمار والاستبداد، هو الذي يجعل السعي لاستثمار البدائل المتوافرة مهماً وقيّماً، لعلّها تصل بالعراق إلى "المستقبل" المأمول، الذي قوامه دولة حديثة لكل مواطنيها، ومجتمع يتصرف بطريقة مدنية لا تفاضل بين الناس إلا على أساس الكفاءة.

اضافة اعلان

العراق اليوم أمام بديلين لا ثالث لهما: حكومة الطوائف أو تنظيم القاعدة!. الخيار الأخير قد يبدو برّاقاً للبعض لأنه يأخذ طابع "مقاومة الاستعمار"، ما يدفعهم، مخطئين، إلى تشبيه مقاومة القوى السلفية الخارجة من أقبية التاريخ بالمقاومة الوطنية النبيلة، التي واجه بها العرب مستعمريهم الأوروبيين سابقاً، دون أن يدركوا اختلاف الظروف التاريخية بين الحالين، وأهمها أن مطالب الإنسان العربي لم تعد تتوقف عند الانتهاء من الاحتلال الأجنبي، وإنما باتت تتجاوزه إلى المطالبة بالحرية الكاملة التي لا تقبل بالاستبداد والحكم التسلطي، وهو ما تطرح تلك المقاومة السلفية عكسه تماماً، لأنها لا تقدم مشروعاً وطنياً وإنما بديلاً استبدادياً قهرياً، يريد أن يفرض على الناس وجهات نظره وفهمه للحياة، ما لا يمكن عدّه من فرص الوصول إلى المستقبل العراقي المأمول أبداً.

الخيار الباقي، أي حكومة الطوائف، هو الحل الوحيد الممكن حالياً للانتقال بالعراق من ثنائية الاستبداد والاستعمار إلى دولة المواطنين. فرغم المشكلات العديدة التي تعاني منها الحكومة الانتقالية، والتي ليس أقلها قيامها على قاعدة المحاصصة الطائفية، وسعي طائفة بعينها لتكرار خطأ تهميش الطوائف المنافسة، والاعتماد على الزعامات غير المدنية في تشكيلها، وهذه كلها في المحصلة تناقض جوهر "دولة المواطنين"، إلا أن هكذا حكومة تبدو الخيار الوطني الوحيد الممكن للبناء على ما هو متوافر، باتجاه تصحيح خطيئة التقاسم الطائفي، لأنها رغم ممارستها الخاطئة تلك للعمل السياسي فإنها تحمل فهماً صحيحاً للمطلوب العراقي، كما يظهر من تصريحات رئيسها. فمن يتهم حكومة كهذه تتشكل من تنظيمات سياسية ناضلت لصالح أهدافها وضحت في سبيلها، بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع تلك الأهداف (باستثناء بعض التنظيمات والشخصيات الانتهازية غير الوطنية المعروفة بالعمالة للمحتل)، إنما ينطلق من أفكار معدة مسبقاً، ولا يحاول أن يبحث في اختلاف الحالة العراقية الراهنة عن تجارب الوقوع تحت الاحتلال السابقة في العالم، وهو اختلاف لم يترك طريقاً سوى "السياسة" للخروج بالعراق مما هو فيه، هذا على افتراض حسن نوايا أصحاب تلك الأفكار طبعاً!

لكن هذه الحكومة العراقية الانتقالية، لن تنجح فعلاً في أن تكون البديل المؤقت الذي لا سبيل غيره للوصول إلى "دولة المواطنين"، إلا إذا نجحت في تحقيق شروط موضوعية عديدة تكرس المساواة بين المواطنين وتوقف تصنيفهم على الأساس الطائفي، وأهم تلك الشروط هو أن تمتنع عن تصنيف الناس إلى وطنيين ولا وطنيين، قياساً إلى تأييدهم أو معارضتهم لها ولوجودها، فذلك بالضبط هو مقتل الحرية وباب بناء استبداد جديد، وعندها لن يكون ثمة فرق بينها وبين نظام صدام إلا في الوجوه والشعارات. ولعلنا لاحظنا خلال الشهور الماضية وجود اتجاه لأدلجة مفهوم الوطنية وحصره في تأييد الحكومة، ما يرهب الرأي الآخر، ويندرج تحت مقولة الشاعر محمود درويش في قصيدة مشهورة: "الأيدولوجيا مهنة البوليس في الدول القوية"!