الحكومة تحاور بالعناوين!

تبذل الحكومة الآن جهودا لشرح موقفها وبرنامجها وتلتقي الكتل النيابية، لكن كما سمعت من بعض النواب فالحديث يبقى عاما لا تفصح فيه الحكومة عن نواياها سوى بالعناوين ابتداء بالتعديلات الضريبية التي "لن تمس أصحاب الدخول المتدنية والمتوسطة" وانتهاء بالدعم الذي يجب أن يتوجه "للمواطنين وليس للسلع"، وأنا أفترض أحيانا أن الحكومة ليس لديها بالفعل سوى عناوين لما تريد لكنها لم تحسم الأمر بشأن التفاصيل.اضافة اعلان
أمس نشرت "الغد" الدراسة الصادرة عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي وكانت العناوين لافتة بالفعل، واعتقدت أننا سنعثر على وجبة دسمة من الأفكار البديلة للاقتصاد، لكن خاب أملي في التفاصيل فلا جديد حقيقة إذ بعد سرد المعلومات والأرقام في كل قطاع تناولته الدراسة والملاحظات الانتقادية التي تقر واقعا معروفا تنتهي إلى توجيهات عامة مختصرة لا تحتاجها الحكومة التي يمكن أن توافق عليها، وهي ترد أصلا في خططها وبرامجها. لكن سؤال الكيف الغائب في برامج الحكومة هو الغائب هنا أيضا.
الحكومة لا تحب إلزام نفسها بخيارات محددة أبعد من الشعارات والتوجهات العامة، لأنها ستكون خيارات خلافية لا تستطيع الجزم بشأنها، أو لا تملك الإرادة لاتخاذها والثقة بتطبيقها، كما ينبغي لقيادة تملك مشروعا نهضويا استراتيجيا. ولطالما أعفت الحكومات نفسها من هذا الطريق، وسلكت سبيل السلامة المؤقتة بمداراة القضية، وهي كما يبدو ستفعل ذلك بشأن الضريبة؛ أي لن تنزل بسقف الإعفاء كما تسرب سابقا، متجنبة المواجهة العاصفة مع النواب والرأي العام لكنها ستذهب مداورة إلى نفس المصدر، وهو جيب المستهلك العادي وعلى الأرجح بزيادة الضرائب على السلع والخدمات وإلغاء العديد من الإعفاءات لتحصيل نفس المبالغ المنشودة.
وبهذه المناسبة أتذكر ورقة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني وضعت الأصبع بدقة رائعة على المشكلة كما فعلت في محاور أخرى، وحثت على توجه معين وقد أشرت في مقال الى الورقة، مؤكدا أن اتجاه التحصيل العام للضرائب يضغط على الاستهلاك والمستهلكين، ويؤدي فقط الى زيادة الانكماش وإحباط النمو فوق ما تؤدي إليه العوامل الخارجية، بينما الأصح أن يتوجه إلى الوفر الموجود لدى الأفراد والمؤسسات لتحصيل نسبة أعلى منه، أكان بزيادة التصاعدية في الشرائح أو مكافحة التهرب الضريبي الذي لن ينفع معه فقط تشديد العقوبات، فكما قال لي موظف ضريبي إن هذا وحده سيرفع الرشاوى إذا لم يقترن بإصلاح جوهري للجهاز الوظيفي ولأنظمة التحصيل وأيضا – كما هي قناعاتنا التي كررناها مرارا - بوضع نظام فوترة موحد للبيع والشراء وتوسيع الإعفاء على النفقات بدل الإعفاء الأصمّ الحالي.
كل القطاعات تكره الآن كلمة الضريبة وهي تعاني بشدّة من ركود مميت لا سابق له في السوق، لكنْ نظام محكم لمكافحة التهرب الضريبي هو الذي ينقذ الذين يعانون في القطاعات التجارية والمهنية، لأنه يظهر بصورة عادلة حجم العمل بدل كشوف التقدير الذاتي التي تضع المكلف تحت رحمة مقدرين قد يتجبرون بمن شاؤوا ويحابون من شاؤوا، ويكون الباب مفتوحا للرشوة والفساد الذي تضيع في دهاليزه مئات الملايين. وقد اقترحنا للفوترة وجود بطاقة ذكية لكل مكلف للمبيعات والمشتريات أو للدفع والقبض لتخفيف مشكلة الأوراق، لكن الحكومة على الأرجح تتشكك في الإمكانية العملية لتنفيذها، فهل ستستخدم البطاقة الآن من أجل دعم الخبز وسلع أخرى؟
الحكومة وهي تتحدث عن توجيه الدعم للمواطن بدل السلع لا تقول كيف! ومصداقية الدعم المالي المباشر مضروبة من زمان، والأفضل استخدام بطاقة ذكية للدعم، وإذا كنا سنفعل فلنفكر على نطاق أشمل لبطاقة لعدة استخدامات منها الإعفاء على النفقات.