الحكومة تلف الحبل حول عنقها

صحيح أن رحيل حكومة معروف البخيت وتشكيل حكومة عون الخصاونة أعطى فرصة لالتقاط الأنفاس، وصب بعض الماء على فوهة البركان التي هدأت  لفترة، لكن ديمومة هذا السكون غير مضمونة. وقبل أن يستفيق البركان من جديد، يجب على الدولة أن تفكر باستثمار اللحظة الراهنة لكسب مزيد من الوقت، من خلال اتخاذ خطوات عملية تشبع تطلعات قوى الإصلاح والمسحوقين، ممن باتوا يخافون على مستقبلهم من تصاعد حالة التوتر في الإقليم. والذكاء يقتضي اقتناص الفرصة واستغلال حالة الهدوء التي تخبئ خلفها الكثير، خصوصا أن المطالب الإصلاحية التي خرج الناس لاجلها للشارع منذ نحو عام لم تر النور.اضافة اعلان
الأردنيون على اختلاف خلفياتهم السياسية والجغرافية يملكون من التعقل والتفكير والانتماء ما يساعد على عبور تسونامي التغيير الذي يعصف بالمنطقة بأمان شريطة الابتعاد عن سياسة التسويف والمماطلة. والظاهر أن المسؤولين لم يدركوا بعد أهمية الوقت، لنجد أن تعديل مواقيت خطوات الإصلاح لديهم  قرار سهل، غير مبالين بتبعات ذلك على حالة المزاج الشعبي.
وشرط تحقيق هذه الغاية أن يدرك المسؤولون ان مهمة إخماد شرارة الدعوة للإصلاح مستحيلة، بل إن الحكمة تقتضي العلم أن المخرج الآمن من حالة عدم الاستقرار هو الاستجابة بصدق لرغبات الحراك الإصلاحي. وليس من صالح أحد الاستمرار بإطلاق التصريحات الشعبية حول محاربة الفساد ووقف التطاول على المال العام وتحقيق العدالة وصون الكرامة والحريات، بدون أن يترافق ذلك مع خطوات عملية تحسن من المزاج السيئ للناس.
إطلاق التصريحات الرنانة أمر بدأنا نلمسه بكثرة في حكومة عون الخصاونة، كطوق نجاة يرفع من شعبية الحكومة، لكن الخوف يكمن في تحول التصريحات إلى حبل يلتف حول عنقها، خصوصا وأن رفع سقف توقعات العامة وانتظار التطبيق العملي لمثل هذه الأقوال لن يطول، وسيبدأ التشكيك بعد أشهر محدودة، ما سيؤدي إلى نكسة في المزاج العام وتصاعد الموقف الرافض للسياسات الحكومية وخطط وبرامج الإصلاح. وعلى جميع المسؤولين وفي جميع الاجهزة الرسمية أن يدركوا أن خطأ واحدا وصغيرا كفيل بإثارة البركان الساكن.
في الظاهر يبدو أن الحراك هدأ وخفّت وتيرته، لكن هذا ليس مؤشرا إيجابيا بالضرورة، فبواطن الأمور والنبض الحقيقي يشهد ارتفاعا في السقوف وليس العكس. والقيمة المضافة الحقيقية لحكومة الخصاونة حتى اليوم تتمثل بتسكين حالة الغليان، وما بعد ذلك يظهر أن القدرة على استقراء المشهد المحلي محدودة، إذ لم تتمكن حتى اللحظة من بث رسالة للمسؤولين مفادها أن التعامل مع أية قضية بغض النظر عن أهميتها لا يجوز أن يتم بعقلية الماضي.
ودليل ذلك ما حدث في الرمثا ومنع محاضرة حول الفساد في الشوبك، وإخلاء سبيل جناة بوساطة نائب، وغير ذلك الكثير من التجاوز على القانون، وتشويه لفكرة دولة المؤسسات. الكلام المعسول لم يعد ينطلي على الناس الذين باتوا يفهمون تماما لعبة السياسة والحكومات التي" ضحكت" عليهم، و"أشبعتهم حكيا"، فهم اليوم بانتظار الأفعال التي تردم هذه الفجوة وتقلصها.