الحوار والأردن الذي نريد

لعمرك إن اعتماد آلية الحوار لأمر شاق؛ وهو بحاجة إلى مؤهلات لا يملكها أكثرنا، كما أنه يحتاج إلى ضوابط نفسية وعقلية متعبة. أن تُحاور، يعني أن تُحاول الفهم وليس إفحام الآخر؛ وأن تُحاور، يعني أن يكون لديك استعداد لتغيير وجهة نظرك أو فهمك لقناعاتك. وأيضاً، الحوار بحاجة إلى شجاعة؛ شجاعة أن تواجه نفسك وما درجت على الاقتناع به باعتباره مسلّمات نهائية، غير قابلة للمراجعة أو حتى التساؤل حولها.اضافة اعلان
والحوار بحاجة للتمتع بحس المسؤولية؛ إذ يجب أن تحرص -بوازع الحفاظ على السلم الاجتماعي باعتباره مطلب الجميع- على أن ما تقول به لا يدخل في الشتم أو السب أو التحريض أو تعزيز الكراهية أو العنصرية أو الطائفية. والأهم من هذا كله أن الحوار يجب أن يكون لهدف؛ هدف الوصول لحل أو تفاهم حول قضية أو سؤال محوري يدعم جهد المجتمع المدني الحديث الذي يهدف إلى إعمار الأرض ونشر السلام الاجتماعي. ولا يخفى علينا اليوم أن الذين تمسّكوا بتنطعهم وطائفيتهم وفئويتهم واحتكارهم للصواب خربوا أوطانهم، وجعلوها أثراً بعد عين. ونحن والقلب يدمي، ننظر إلى ما حصل في العراق وسورية واليمن وليبيا والسودان. والخراب في هذه البلدان يربطه سبب مشترك، هو رفض الناس للتنوع، وفشل الأنظمة الحاكمة في قيادة توجه مدني قانوني يحمي التنوع وينبذ الطائفية.
الحوار في الأردن يقضي أن نمسح الطاولة ونجلس حولها لنبدأ من سؤالٍ تأسيسي: ما هو الأردن الذي نريد؟ سؤال قد يرفع الجدل الذي يدور على الساحات الفكرية والسياسية إلى مستوى الحوار السلمي المدني، ويخرج الجميع من خندقة إفحام الآخر إلى مهمة فهم الآخر، والتعايش مع اختلاف الرأي وتنوع القناعة. وهذا الأمر ليس "حفلة" علاقات عامة، ولا محاولة لتجميل المشهد الثقافي والفكري والسياسي في الأردن، بل هو ضرورة استراتيجية سياسية واجتماعية للحفاظ على الأردن وطناً دستورياً للجميع.
الأردن الذي نريد، أردن الهوية الواحدة الجامعة، لا ينفي التنوع، ولكنه يرفض التشظي؛ حيث نؤكد توافقنا حول الوطن الواحد لجميع الأردنيين بفُرَص مُتكافئة في التعليم والصحة والمواصلات والعمل. الأردن الذي نريد وطن يحمي حق الاعتقاد حسب نص الدستور، حيث لا يفرض أي طرف بالعنف أو الترهيب قناعته على الطرف الآخر، وأن نحرص ونحن نناقش سلمياً قناعات الآخر أن لا ندعو بشكل مبطن أو مباشر إلى عنف أو كراهية. فمثلاً، الداعية وأستاذ الجامعة الذي يعارض مهرجان جرش "وهذا حقّه"، عندما يقول: "إنه مهرجان يسهم في الفساد الأخلاقي والقيمي وينشر سوء الأدب وقلة الحياء" عليه أن يتذكر أن شباباً من طلبته قد يفهمون منه أن هذا تصريح لهم بممارسة العنف على من يرتاد هذا المهرجان. كما أن "المتنور" الذي يهزأ من المحجبات عليه أن يتحمل مسؤولية ردة فعل من يرى في ذلك اعتداء على عقيدته.
الأردن الذي نريد، وطن يؤمن بأن الأمن في خدمة الديمقراطية، ويرفض أن تكون الديمقراطية طغيان الجماعة، ويحتفي بممارسة الحريات شريطة عدم التفريط بأمن الأردن وسلامته في الداخل والخارج. ولهذا فهو يقف خلف قيادته في التمسك بديمقراطيته، وتدعيم أمنه وصلابة جبهته الداخلية. الأردن الذي نريد هو وطن سيادة القانون على الجميع، فإن أفْسَد الفساد أن تؤثر نفسك وتسوغ لها المبررات لتفادي تطبيق القانون.
الأردن الذي نريد هو وطن منشغل في خلق اقتصاد يكفيه مؤونة الاعتماد على الآخرين، ويشغل شبابه، فإن إعمار الأرض يقتضي العمل المشترك بين القطاعين الخاص والعام والمجتمع المدني لخلق فرص عمل. وليس من مهمة الدولة أن ترعى التدين أو عدم التدين، فهذا شأن الناس وحقهم، بل على الدولة أن تركز جهودها لتمكين المواطنين من خلق الثروة وتعظيمها للجميع، بغض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم الدينية والشخصية. وهنا لا بد من التأكيد أن على الدولة دوراً أساسياً في مراجعة ثقافة الإقصاء والتنطع والفئوية التي انتشرت بين بعض موظفي القطاع العام، فالدولة أيضاً بحاجة لتبني أدبيات الحوار والسلم الاجتماعي في مؤسساتها.
قد يقول قائل: هذا كلام خيالي طوباوي، وغير قابل للتطبيق. وقد يكون هذا صحيحاً جزئياً، ولكن علّه أن يكون أيضاً بداية حوار لاعتماد الحوار كآلية للتوافق الوطني على مرجعيات سياسية واجتماعية واقتصادية للوطن؛ الأردن الذي نريد.