الحولة ومجازر أخرى

كما كان معروفاً سلفاً، انتهت لجنة التحقيق السورية الرسمية في المسؤولية عن مجزرة الحولة، والتي أعلنت نتائج عملها يوم الخميس الماضي، إلى ترديد ذات الكلام الذي كان قد أدلى به المتحدث باسم الخارجية السورية، جهاد مقدسي، قبل ذلك بأيام غداة المجزرة، دون تحقيق أو سواه؛ وذلك بأن المسؤولية لا يتحملها أبداً جيش الأسد وشبيحته، وإنما "مجموعات مناهضة للنظام"، هدفت بارتكاب فظائعها تلك إلى "تقويض وحدة الوطن واستجلاب التدخل العسكري الأجنبي في البلاد". اضافة اعلان
لكن حتى بتصديق هذا الكلام المعاد منذ بداية الثورة السورية قبل أكثر من أربعة عشر شهراً، فإن ذلك لا يمكن أن يقودنا إلا إلى إدانة نظام بشار الأسد باعتباره المسؤول أولاً وأخيراً عن كل المجازر التي عرفتها سورية، وليست الحولة إلا واحدة منها فقط.
فكما يردد النظام في كل مناسبة، فإن المجموعات الإرهابية المجرمة المقصودة هي جماعات سلفية تكفيرية، تنتمي فكرياً أو تنظيمياً إلى "القاعدة". ولمن لا يعرف أو لا يريد أن يتذكر، فإن تبني ورعاية هذه الجماعات، بافتراض التسليم بمسؤوليتها، لم يكن إلا من قبل النظام ذاته عقب الاحتلال الأميركي للعراق. لكن، وكما اتضح لاحقاً، فإن تسهيل عمل هذه المجموعات في الأراضي السورية وعبر الحدود مع العراق، لم يكن لتخليص الجار الشقيق من الاحتلال الأميركي أبداً، بل إشغالاً لهذا الاحتلال عن النظام السوري بداية، ومن ثم دعماً للاحتلال الإيراني الذي يبدو اليوم السبب الرئيس في اتجاه العراق نحو التقسيم على أسس طائفية وعرقية.
أهم من ذلك يبدو في السؤال البدهي: لماذا يتوقع مرتكبو المجزرة "الحقيقيون" أن كل الشبهات ستدور حول النظام السوري، وليس أي فريق آخر سواه، أكان معارضة أم "قاعدة"؟ أليس ذلك بسبب تاريخ النظام المليء بسفك دماء المواطنين السوريين الأبرياء، فرادى وجماعات ومدناً كاملة؟ أليس ذلك بسبب عقود من التعذيب والتنكيل بالمعتقلين السياسيين كأبشع مجرمين لأنهم عارضو النظام أو واحداً من قراراته أو سياساته؟ أليس بشار الأسد هو من أقر بنفسه في أحد خطاباته بعد اندلاع الثورة، ودونما خجل، أن خوف المواطن السوري من إرهاب النظام يمتد حتى إلى مراجعة السفارات السورية في الخارج؟! ومن ثم، يكون السؤال: هل تغير شيء من تلك الممارسات البشعة حتى اليوم، وفي زمن ما يسميه النظام "إصلاحاً!"؟ أبداً، ولا يستطيع أشد الأغبياء وأشد المستفيدين من النظام ادعاء خلاف ذلك!
بسبب كل ذلك، لا يتحمل نظام بشار الأسد المسؤولية فقط عن الحولة ومثيلاتها من مجازر وقعت، بل وسيتحمل المسؤولية تلقائياً عن كل مجزرة تقع مستقبلاً، حتى لو ارتكبها طرف ثان أو ثالث.. أو عاشر. فمن أجهز على الدولة السورية وشعور أبنائها بالمواطنة، لمصلحة الفاسدين والجلادين، وجعلها بالنتيجة نهباً للجميع، هو من حكمها لمدة تزيد على الأربعة عقود. وبدهي أن إنهاء المجازر لا يكون إلا بإنهاء هذا النظام الذي بات استمراره بما لا يعرف سواه، أي الاستبداد والقتل، لا يشكل خطراً على سورية وأبنائها كافة فحسب، بل وعلى المنطقة ككل.

[email protected]