الخبر الصّافي في فصل محمد لافي

في الواقع هذا "الخبر" ليس كتاباً تراثيّاً كما قد يُظَنّ، وإنّما هو خبر حقيقي يتعلّق بإنهاء خدمات الشّاعر المعروف محمد لافي أو لنقل بصريح العبارة فصله من الإذاعة الأردنية التي يعمل فيها.

اضافة اعلان

سبب الفصل الذي تذرّعت به إدارة الإذاعة والتلفزيون السابقة هو أنّ الشاعر قد بلغ السّتين عاماً، وهذا سبب كافٍ كما ترى تلك الإدارة بتخريب بيت الشاعر وقذفه إلى الجحيم! طبعاً لو كان الشاعر حصل على تقاعد لتمّ تفهّم الأمر، ولكنّه فُصِل من دون تقاعد، ما يجعل قصّة الفصل تلك واقعة برمّتها في دائرة الشّكّ والمساءلة.

يرتبط اسم محمد لافي بالإضراب الشّهير عن الطّعام الذي قام به الشاعر في العام 1996، وهو الإضراب الأوّل من نوعه في التاريخ المعاصر الذي يلجأ إليه شاعر عربي من أجل المطالبة بحقّه في العمل. في ذلك العام ذهب لافي إلى مبنى رابطة الكتّاب الأردنيين في جبل اللويبدة وأعلن إضرابه المفتوح عن الطعام. بعد مضيّ أسبوع، وكانت حالة الشاعر الصحية قد ساءت، جاء الأستاذ إحسان رمزي وكان مديراً للإذاعة والتلفزيون، إلى الرابطة وحلّ المشكلة، وقد تمثّل الحل بتقديم عقد عمل للافي في أحد البرامج الإذاعية.

منذ تلك الفترة، عمل لافي بهمّةٍ عالية في برامج الإذاعة الثقافية المختلفة، واستطاع خلال عمله أن يُحدِث نقلة نوعيّة في تلك البرامج. يشهد على ذلك مسؤولوه وزملاؤه في العمل، والجوائز العربية التي نالتها برامجه، كأفضل برامج ثقافية على المستوى العربي. كان لافي مكسباً كبيراً للإذاعة، وكان يمكن أن يقدّم الكثير من إمكاناته لو أُعطي الفرصة للعمل في البرامج التلفزيونية، وهو الأمر الذي لم يكن مسموحاً له العمل به. أخيراً، وكمكافأة له على كلّ تلك الإنجازات وتقديراً من إدارة الإذاعة والتلفزيون (السابقة) له وللمثقفين، فقد قامت تلك الإدارة  بفصله!

كمثقفين، نحن لسنا ضدّ القانون ولكنّنا ضدّ التّعسّف، فالشاعر لم يحصل على حقّه في التّقاعد، والسّبب يعود لإدارة الإذاعة والتلفزيون التي أضاعت عليه عامين في الخدمة، ولم تمهله الفترة الكافية، من أجل أن يكمل مدّة خدمته القانونية، وبالتالي يتقاضى راتبه التقاعدي أسوةً بباقي البشر!

لا بدّ من التنويه هنا إلى أنّ قضيّة الشاعر محمد لافي ليست قضيّة شخصيّة، ذلك أنّها تشتبك مع قضيّة أوسع هي قضيّة الكتّاب الأردنيين الذين جرت تسميتهم بالكتّاب العاطلين عن العمل في وقت من الأوقات. وهي تسمية خاطئة تسببت بالأذى لشريحة غير قليلة من الكتّاب غير المنخرطين ضمن عمل في مؤسّسة معيّنة، هذا مع العلم أنّهم مواظبون على عملهم الأساسي المتمثّل في إنتاج الثقافة الحيّة من خلال نصوصهم الشعرية والقصصية والنقدية. على مستوى هؤلاء، فقد قاموا بإضرابهم الشهير أواخر التّسعينيّات من أجل المطالبة بحقّهم في العمل، وقد تلقّوا في حينها وعوداً كثيرة من عدّة جهات رسمية، ولكن من دون أن يتمّ تنفيذ شيء يُذكَر من هذه الوعود.

قضيّة لافي أيضاً تفتح الباب على مصراعيه لمناقشة الشّأن الثقافي الأردني المربك المتعثّر، الذي يحرم الكتّاب الأردنيين من المشاركة الفعّالة في صناعة القرار الثقافي، وذلك عكس ما هو معمول به في دول عربية كثيرة، وفي بلدان العالم. فبيوت الشعر في العالم يكون على سدّتها شعراء في العادة، أمّا حقيبة الثقافة، فتناط بكتّاب معروفين كما هو الحال مع الروائي المغربي سالم بن حميش وغيره على سبيل المثال.

كبادرة حسن نيّة تجاه الحركة الثقافية في الأردن، نأمل من إدارة الإذاعة والتلفزيون أن تتراجع عن قرارها بفصل الشاعر محمد لافي بل والاعتذار له، ومثل هذا التّصرّف سيعدّ تصرّفاً حضارياً، سَيُسعَد به المثقّفون.