"الداخل" ينتفض

إطلاق تسمية "الداخل" على أراضي الاحتلال الصهيوني الأول (الأراضي المحتلة العام 1948)، هو أمر لا يخلو من التشويه الناجم عن قيام الكيان الصهيوني. فهذا الجزء من فلسطين هو، بالدرجة الأولى، الجزء الساحلي؛ أي إنّه في الأحوال العاديّة الجزء الخارجي من البلد، كونه الأقرب للبحر وللخارج والعالم، فيما ما تسمى الآن الضفة الغربية (أراضي الاحتلال الثاني العام 1967)، هي الأراضي الداخلية، حيث التلال والجبال البعيدة عن الحدود البحرية. إلا أنّ فكرة الداخل يمكن أن يكون لها معنى آخر في سياق الصراع، ويتضح هذا المعنى الآن أكثر من أي وقت آخر. اضافة اعلان
تعامل الصّهاينة (إسرائيل) مع أراضي الاحتلال الأول على أنّها، وأهلها، أصبحت من المحسومات المُنتهيات، واستدرجوا القيادة الفلسطينية الرسمية للإقرار بهذا صراحةً، أو على الأقل جعلوها تستثني تلك الأراضي من المفاوضات ومن المطالب. ولم يكن الاستبعاد في نهاية تسوية تاريخية على أساس حل دولتين، بل كان قبل بداية المفاوضات والتسوية.
إذن، كادت هذه الأراضي، وأهلها الباقون فيها، أن تكون الداخل الإسرائيلي المحسوم أمره، الذي يسعى العرب فيه، في أحسن الأحوال، إلى طلب المساواة المواطنيّة مع اليهود ضمن دولة إسرائيل. ولم يكن هناك فعلا مطالب جدية أو عملية في الداخل الفلسطيني للالتحام في إطار سياسي تنفيذي فلسطيني واحد، وإن بقي التأكيد على الانتماء الثقافي والوطني الفلسطيني والعربي، وتنامى تدريجيا، خصوصاً مع تصاعد الأصوات الصهيونية التي لم تكتف بما تحقق من كبت للفلسطينيين، فبدأت تتحدث عن المزيد من الإذلال، بطلب فرض قوانين تجبر الفلسطينيين في "الداخل" على إعلان ولاء بطرق مثل قسم الولاء، أو فرض الخدمة العسكرية الإجبارية، واعتبار الحديث عن عودة اللاجئين لهذه البلاد من المحرمات، ورفض أي مساواة حقيقية. فاليهودي من أي مكان في العالم يمكنه أن يأتي إلى فلسطين، بينما حتى خروج العربي محفوف بخطر أن لا يعود، وهناك قيود على البناء، والسكن، والعمل، والبنية التحتية... إلخ.
لسنوات طوال، باتت أراضي الاحتلال الأول هي أراضي "الداخل" الإسرائيلي المحسوم. وفي السنوات الأخيرة، بات المطلوب الآن التثبيت النهائي لإقرار فلسطيني كامل بالحق التاريخي اليهودي؛ أي ليس المطلوب الموافقة على تقسيم فلسطين، ولا على حق "إسرائيل" في الوجود والحياة، بل إقرار بأنّ عدم وجود "إسرائيل" في الماضي لم يكن شرعيّاً. وتجسّد هذا من خلال إثارة موضوع يهودية الدّولة، وبدا الطرف الإسرائيلي قريباً من تحقيق ما يريد عندما اعتبرت القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أنّ التنسيق الأمني مُقدّس، بغض النظر عن التسوية السياسية؛ أي بغض النظر عن تعنت وعدوانية الطرف الآخر. ليس الأمر في إطار تسوية وعلاقة تبادلية، فقدسية التنسيق الأمني من طرف واحد، تعني حقا مقدسا للطرف الآخر يتم التسليم به على أرض الفلسطينيين؛ كل أرض فلسطين، أراضي الاحتلالين. في الأثناء، تكاد الدول العربية لا تتدخل ولا تتحرك إلا لاستعادة الهدوء والهدن بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
كان يُعتقد، إذن، أنّ "الداخل" سُويّت أموره منذ زمن، وملفات "المُحيطَين" الفلسطيني والعربي في طريقها الآن للإقفال بانتزاع اعترافات تاريخية، وترتيبات أمنية مقدّسة ومنظومة أمنية تكبّل الشعب الآخر وتتكفل به.
منذ سنوات، يتصاعد التّمرد في "الداخل"؛ فالعَلَم الفلسطيني أصبح جزءا من المشهد اليومي بعد أن كان من المحرمات، وجزءٌ من الأعضاء العرب في الكنيسيت لا يتركون فرصة إلا ويقولون فيها للصهاينة إنّ الدم اليهودي ليس أفضل من العربي، وإن للعرب حقا تاريخيا وشرعيا، وإن اليهودي المهاجر من باقي العالم لا يمتلك هذه الشرعية، وإذا كان على طرف أن يخرج فهو القادم الجديد؛ أي يتم نسف منظومة الفكرة الصهيونية.
"الداخل" الآن هو الذي ينتفض بالدرجة الأولى انتصاراً "للضفة الغربية". فبينما في أراضي احتلال العام 1967 يقوم شُبّان وناشطون بتحدي فصائلهم والمنظومة الأمنية التي أنشأتها اتفاقيات أوسلو، من دون الوصول لدرجة الاحتجاج الشامل والمخطط والمنظم؛ فإنّ "الداخل" ينتفض في احتجاجات منظّمة، بمواعيد وفعاليات محددة، ومن دون انتظار قرار قيادة أو غيره.
ما يجري هو ضرب أخطر وأهم ما يسعى الصهاينة لتحقيقه، وهو شَرعيّة البقاء بأمن وهدوء، وتخلي "الآخر" عن حقه السياسي والتاريخي والتنظيمي.