الدرس من الهاشمية والمريغة

لطالما حدثوا أنفسهم بالأمل، انتظروا كثيراً زيارة المعنيين لكنهم لم يأتوا، وخلاصة المشهد كالتالي: أبواب يشقها الريح، بيوت من اللِّبن، أطفال ملابسهم ترقص على أجسادهم التي اشتاقت للدفء، ورياح تكرر الزيارة ولطالما أتت قاسية فلم تبق ولم تذر في وقت اشتاقت فيه الأرض للندى. هناك يتذكر الناس أنهم عاشوا الدولة منذ كانت حلم تحرير، ورافقوها عسكراً مع عساكر الأرض، ثم هم اليوم لا يفرحون إلا إذا أتى جلالة الملك، وكثيراً ما يطل كالندى ويغيب المسؤولون.

اضافة اعلان

سؤال المريغة والهاشمية، فتحه الملك، وعلى كل مسؤول أن يتقدم للإجابة عن أسباب الغياب والتهميش. شباب يطلبون من سيدنا ملعباً، ومدرسة واحدة جيدة غاية قصوى، وبيوت لا تعرف الدفء، وطرق وعرة غابت عنها عين الأشغال كي تضيء طريق إربد-عمان مثلا، أو تفكر بتصدير خبرة المقاولين للخارج. وفي الميدان، محافظون طلب إليهم الملك أن ينزلوا للميدان منذ العام 2003 حين التقاهم بعجلون، لكنهم رضوا بالدعة، وممارسة تقاليد الهيبة، واليوم تأتي الزيارات الملكية المستمرة وفي كل مرة تكشف تقصير المعنيين، وتوحي بأن هؤلاء ليسوا لخدمة أولئك الطيبين البسطاء الذين ما يزالون يقولون "نحن جنودك يا بو حسين"، ولا مطالب سياسية أو إصلاحية أو تكنولوجية أو دعوة لاقتصاد المعرفة!
عشية الزيارتين الملكيتين للهاشمية والمريغة، كان الناس في العاصمة وفي مراكز المدن يعدون العدة لجولات من المسيرات التي رفعت الصوت عاليا ضد الحكومة وضد قانون الانتخاب وضد الدوائر الوهمية، وأجزم أننا بحاجة لكل تلك المطالب السياسية، لكن أهل الأحزاب والمنتديات هل يعرفون معاناة بوادينا، وهل يقدمون شيئاً من المبادرات للتخفيف عن الناس، وقبل ذلك هل يعرف المسؤولون معاناة القرى النائية والأسر المعدمة؟
الأسر المعدمة في الهاشمية والمريغة لفتت الانتباه مباشرة بعد الزيارة الملكية إلى إهمال المسؤولين لها، وكذلك الإعلام، ما يؤكد أن كلّ المخططات الشمولية وبرامج الإصلاح لم تحرز الكثير، وأنها بحاجة لإدراك أكبر لمعجم الوطن في الفقر والحاجة وغياب التنمية.

لكن في تفاصيل الهاشمية كان هناك ملك همام، وأناس لا يتحدثون بالإصلاح بل يهبون أرواحهم وأبناءهم لملك طل عليهم كالغمام. ثمة أناس أغنياء من التعفف، في حضرة ملك  يبسط راحتيه للناس فتفيض ندى وخيرا، المواطن ناجح سالم السميحيين كان غاية في العذوبة والبساطة، تحب أن تراه كل مرة وأن يراه قادة الأحزاب والوزراء وحتى المعلمون والوعاظ وقادة الجمعيات الخيرية، ليس لأنه نموذج للحاجة والفقر، بل لعفة النفس وكبرها أمام ملك كان يعي ويعرف أن أولئك عزوته وأهله الذين ما بدلوا عهدهم. تحب أن تسمعه كيف يتحدث بوطنيته وليس بمواطنته، رأيناه يشير للملك بدعم بيته بجدار، ثم يقول الملك: "سيدي الفكرة واضحة نبنيه من جديد.. وإن شاء الله بنزوركم بعد كم شهر...". ويرد  ناجح السميحيين:" سيدي ما يجي منك إلا الزين أنت أبونا وأخونا وعزوتنا.."، ثم يبادر الملك لتقبيله.

في الهاشمية والمريغة ضربت زيارة الملك درساً جديداً للناس والمعنيين بأبجدية الوطن، وفي وقوف المسؤولين على حاجات الناس، وكشفت عن تجاهل وغياب كبير وفجوة عميقة بين التنظير في عمان وواقع الأطراف.