الدولة الموازية

المسار الذي سلكته تشريعات الإصلاحات السياسية في الأردن؛ وعلى رأسها قانونا الأحزاب والانتخاب، وتحديدا منذ تشكيل لجنة الحوار الوطني إلى عودة الصوت الواحد، تشير بكل وضوح إلى استمرارية قوة الدولة الموازية في جانب، وضعفها في جوانب أخرى.اضافة اعلان
على مدى سنوات طويلة، شهدت ثلاثة أجيال من الحكومات، ترعرت في عهد الصوت الواحد، تراجع الولاية العامة للسلطة التنفيذية، علاوة على ضعف مجلس الأمة بغرفتيه، بينما ازدهرت قوة مراكز القوى الأخرى. وبقيت الحكومات تترنح شمالا ويمينا بين هذه المراكز، ما جعل أحد مبررات الدعوة إلى التعديلات الدستورية التي تمت مناقشتها بصوت مرتفع، هو إنقاذ الولاية العامة. وهو متطلب سابق على الدعوة إلى تفعيل المبدأ الدستوري القائل بالتوازن بين السلطات.
ثمة خطوات مهمة؛ بعضها تشريعية وأخرى إجرائية، تم اتخاذها كان من المفترض أن تعيد لكل سلطة دورها، كان آخرها بعض التعديلات الدستورية، وقبلها بعض الإجراءات في إعادة تكوين النخب في بعض المؤسسات وفك الاشتباك بينها، والدفع بقيادات مهنية وبدون أجندة سياسية واضحة إلى هرم تلك المؤسسات الموازية. ومع هذا، لم تعد قوة الولاية العامة إلى عافيتها المفترضة، لكن الحديث عن غياب الولاية العامة للحكومات تراجع.
بسرعة غير متوقعة، كشفت الأحدات الأخيرة حجم ما فقدته المؤسسات السيادية في الدولة الرسمية والدولة الموازية معا من قدرة على تقدير الموقف، وعن ضعف سياسي داخلي. وهنا الخطورة في إدراك المتغيرات والتعامل معها، وأحد أمثلتها ما كشفته التحولات الإقليمية خلال آخر أسبوعين. إذ لاحظنا حجم الرهانات المحلية على ما يحدث لدى الجيران، ولاحظنا قوة النظرية التي تقول بأن مسألة الإصلاح والتغيير والتحديث في الأردن مسألة خارجية وليست قرارا وطنيا نتخذه محليا. فالقراءات التي تقدم هذه الأيام لعلاقة التحولات المترنحة خلال الأسابيع الماضية بقانون الانتخاب والعلاقة مع الإسلاميين، وعلاقة كل ذلك بوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في القاهرة، قد أثبتتها تفاعلات سياسية على الأرض خلال الأسبوع الماضي، وأهمها الاندفاع نحو حركة حماس الذي فاجأ القواعد العريضة من الناس، واللغة غير المحكية لدور "حماس" في الداخل الأردني، وهو دور مطلوب وغير مرغوب كما عكسته الأحداث الأخيرة.
تعودنا من بعض مؤسسات الدولة أن تكون مسؤولة دوما عن إدارة توقعات الناس؛ السلبية والإيجابية معا. والمفارقة تبدو حينما يدخل الناس في إرباك حقيقي في التوقعات، يصل حد الفوضى. والأقسى من ذلك حينما يصل عمق هذا الإرباك إلى المؤسسات ذاتها التي طالما احتكرت مهمة إدارة التوقعات.
سوء تقدير الموقف يعمل عمله للمرة الألف، ويدفع نحو الأدوات التقليدية ذاتها والحسابات العتيقة والعقيمة التي غادرها الشارع، بل تعد أحد مصادر التأزيم التي ستجعل المجتمع والدولة يدفعان ثمن استمرارها.
على مدى عقود، كانت القدرة المتقدمة على تقدير الموقف والتكيف الإيجابي معه، واحدة من الأصول والموارد الأساسية للنظام السياسي. تلك القدرة حمت الدولة ونظامها السياسي، وكانت المورد الأغلى والأغنى لبلد يصف نفسه بأنه محدود الموارد. ومن خلال هذه القدرة، يمكن تفسير حالة الاستقرار والاستمرار. فالقدرة والحساسية العاليتان على تقدير الموقف هما اللتان تمكنان من اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظة الملائمة، وهما اللتان تمكنان من إحداث قطيعة مع عهد بأكمله، وأن تقولا كفى في الوقت المناسب.

[email protected]