الذكرى البائسة

كم تبدو بائسة ومشؤومة ذكرى اجتياح القوات الأميركية للعراق بالنظر للحصاد الرهيب للسنوات الثلاث الماضية.

لو حصل العراق على الديمقراطية والأمن والاستقرار لما شهدت عواصم العالم هذه المظاهرات الحاشدة ضد الحرب بعد مرور 3 سنوات عليها، لكن الرأي العام العالمي يرى أنه كان على حق وأن ما فعلته الولايات المتّحدة كان خطأ فظيعا جلب كارثة مستمرّة حتى الآن.

اضافة اعلان

لم يحدث أن استغفلت إدارة أميركية شعبها والعالم كما فعلت هذه الإدارة. والحق أن العالم لم يكن مغفلا، فقد فنّد المعارضون للحرب في حينه كل مبررات الإدارة، لكن بوش وبلير ظلا يكرران اتهامات باطلة ويحشدان معلومات مزورة ويتهيئان للحرب على طريقة تأبّط شرا.

بعد الحرب ثبت أن أسلحة الدمار الشامل العراقية غير موجودة، وأن النظام لم يكن على صلة بالإرهاب، بل على العكس فإن سقوطه فتح باب العراق على مصراعيه ليتحول إلى ساحة مزدهرة للإرهاب.

لكن كان هناك هدف ضمني يرد في خطاب الإدارة، دون تقديمه رسميا وقانونيا كسبب للحرب، وهو إزالة دكتاتورية صدّام حسين واستعادة شعب العراق الحريّة والديمقراطية، وكانت الإدارة تعلم أن هذا كان ضمنا أقوى من كل أسبابها الأخرى بحيث أصبحت المعادلة عشية الحرب هي من يريد منع الحرب يريد بقاء صدّام، بل أصبح أعداء الحرب أنانيين وجبناء يؤثرون النكوص أمام دكتاتورية غاشمة. وأصبح التراجع عن الحرب خذلانا للشعب العراقي المسحوق الذي ينتظر الخلاص. والمصيبة ان النظام في العراق سهّل تكريس هذه المعادلة ولم يكن يؤسفه أن يصبح الخيار هو بين الاصطفاف خلف أميركا أو الاصطفاف خلف النظام.

لم نألُ جهدا في حينه في الدعوة لسحب السلاح الحقيقي والقوي والوحيد بيد الإدارة وذلك بأن يبادر النظام للإعلان عن مشروع مصالحة وطنية وتحول ديمقراطي. كان ذلك كفيلا بنزع مبرر الحرب من جذوره.

كم أخطأ صدّام والنظام بحق العراق عندما استمرا سنين بأمل انتهاء الحصار وخروج النظام سالما غانما منتصرا! كان هذا من سابع المستحيلات. وكم أخطأ النظام وهو يرى التحضير للحرب جاريا من دون حسم أمره باستباقها بخطوات سياسية دراماتيكية بل واستعراضية في العفو السياسي وتغيير الدستور وتشكيل حكومة وحدة وطنية والدعوة لانتخابات حرّة وتحت رقابة دولية بمشاركة كل القوى والتيارات! لكن هيهات! لقد سألوا الرئيس بوش الأب عن كوابيسه في الليلة السابقة للحرب في شباط 91 فقال إن الكابوس الذي كان يؤرقه هو أن يعلن صدام على حين غرّة انسحابا أحادي الجانب من الكويت.

كان "تحرير العراق" غواية لا تقاوم لدى فريق الإدارة اليميني لتطبيق نظرياته التي زاوجت بين المراهقة السياسية والولاء الصهيوني وكان لديها مقدّرات القوّة الأعظم في العالم تصنع بها اسوأ كارثة مع مطلع القرن الحادي والعشرين.

[email protected]