الذين ينادونك من وراء الحجرات

كيف ننشئ منظومة اجتماعية وثقافية مدينية خاصة بالمدن، وتحمي المدن والمجتمع وتمنح الأفراد الرضا والاندماج؟ يحتاج الناس أن يصرخوا في الصحراء والسهول والجبال والغابات، فقد اعتادوا على الحديث من أماكن متباعدة في أثناء العمل والصيد والرعي، ولكن استمرارهم في الحديث بصوت مرتفع عندما يتحدثون بالهاتف في قاعة مفتوحة مليئة بالمكاتب والعاملين يعطل العمل والإنتاج ويؤذي الناس وينتهك حقهم بالراحة والخصوصية.

اضافة اعلان

في تلك الفلوات الهادئة والساكنة والمتباعدة تمنح الأصوات المرتفعة والأعراس والخلافات الزوجية والعائلية فرصة للناس لكسر الصمت وللتسلية والتدخل السريع والإصلاح والتضامن، ولكن مواصلة منتجات "الصيد والرعي" في الحديث والسلوك في المدن يحول حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، ويجعلهم تحت ضغوط تصيبهم بالتوتر والشقاء وتدفعهم إلى ردود فعل مكلفة وأحيانا غير مدروسة، المسألة ليست بسيطة يمكن تمريرها، ولكنها متصلة بضرورات تدبير الحياة والخصوصية والسكون في بيئة مزدحمة بالبشر وفي فضاء صغير ومشترك.

ففي المكاتب المفتوحة تشعر بأنك غير قادر على العمل، وتفقد خصوصيتك، وربما يصيبك انهيار عصبي، وفي العمائر المؤلفة من شقق متجاورة وتخدمها مواقف سيارات وفضاءات ومرافق مشتركة للتخزين والتدفئة والمياه إذا لم يقدر الناس على السلوك الهادئ المدرك للخصوصية وحقوق الآخرين تتحول الإقامة إلى عذاب، وأعرف كثيرين اضطروا لبيع بيوتهم أو الرحيل عنها، بسبب تراكم الممارسات التي تبدو عادية ومألوفة في الريف، مثل الخلافات العائلية بصوت مرتفع يصل إلى جميع الجيران، والزيارات العائلية المتواصلة بلا توقف وبخاصة في إجازات المغتربين، والمصحوبة بالسهر المتواصل والحديث بصوت مرتفع وربما الغناء والضحك ولعب الورق المصحوب بالزعيق والنرجيلة، ومشاهدة المباريات وتشجيع الفرق المتبارية بأصوات وهتافات لم يتخل عنها الإنسان منذ مرحلة العيش في الغابات والجبال والبوادي، ووقوف السيارات بطريقة خاطئة والاستيلاء على المواقف المخصصة للآخرين وإغلاق الشوارع والمداخل، وإلقاء الفضلات وتسرب المياه واستخدام المثقب "الدريل" بعد الساعة الثانية صباحا، يحيرك هذا الحرص العجيب على نظافة النوافذ لدرجة الإصرار على غسيلها في منتصف الليل، ولكنها رغبة في النظافة لا تمتد للحرص على الجوار والبيئة المحيطة والشوارع والمداخل والدرج، وكأن التلوث في هذه الحالة لا يعود مؤذيا! وبالطبع فإن الحياة اليومية وعلاقات الجوار تتحول إلى معاناة تمتد أيضا إلى العمل والأطفال والمصالح والمرافق المشتركة، وفي المقابل فإن الصداقة والقرابة تتحول إلى فضول وتطفل واختراق للشأن الخاص وبرنامجك في الحياة والعمل والقراءة وأسلوب الحياة والعمل أيضا، إذا كنت تعمل في منزلك سيتعطل عملك، وإذا كنت تعمل "فري لانس" فسوف تخسر مصالحك وزبائنك، وبتراكم علاقاتك السيئة مع الأقارب والجيران تشعر بعزلة شديدة واكتئاب وخوف على نفسك وعائلتك من المجهول والوحشة.

في الريف يغني الناس ويطلقون أصوات السيارات والأهازيج والرصاص والألعاب النارية، فيعرف جميع الناس هناك أن "قيس" سيتزوج من لبنى، ويشارك الجميع ولو من بعيد بالفرحة والاطلاع، وعلى أية حال فإنها مناسبة لا تتكرر كثيرا، ولكن ماذا تعني للناس في المدينة أصوات السيارات والمواكب والأغاني التي تقدمها مجموعة تتحايل على رداءة صوتها بالميكروفون مرتفع الصوت لدرجة تعطل حياتك كلها وتثقب طبلة أذنك، ثم إنك مضطر لمشاركة هؤلاء الناس الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك في أعراسهم وبحدود اثني عشر عرسا يوميا في الصيف وربما تصل مشاركتك في مساءات الخميس إلى العشرين، تخيل أنك مضطر أن تسير بسرعة 8 كلم في الساعة، وتغوص في جوقة من أصوات السيارات المرعبة، وتتراكم في جوفك كل هذه الأصوات والمشاعر لأنها طاقة وموجات مادية تقتحمك، وتتسرب إلى أعصابك وعقلك ومعدتك وفي أنفاسك ونسيج جسمك، ألا يؤدي ذلك بالناس إلى العصبية والاكتئاب والقلق والتوتر والشجار والشعور بالضآلة والتهديد والخوف والتيه والنفور والشك والريبة والحذر وفقدان الثقة بالآخرين؟ .. ثم الجريمة!