"الربيع العربي" والدروس الخاطئة

يبدو النضال الإصلاحي بعد "الربيع العربي" صراعا على الوعي الناشئ، والدروس المستمدة منه. ويحتاج العمل الإصلاحي أن يذكر، ولو على نحو مكرر ومملّ وقاسٍ، بالوعي المنشئ للربيع العربي، والمفترض أن يمثل الفكرة الجامعة للجيل الذي ظهر في لحظة "الربيع". فقد تشكلت دروس خاطئة أو مضادة في "الربيع العربي"، وامتلكت فرصاً كبيرة للهيمنة والتأثير على الوعي العربي، على نحو صارت معه الرواية المنشئة للربيع خجولة غير قادرة على توضيح نفسها أو الدفاع عن فكرتها.اضافة اعلان
ليس هذا بدعاً في التاريخ والثورات، لكنها مناسبة لملاحظة الوعي الزائف أو الخاطئ الذي يتشكل ويهيمن، أو كيف يحلّ وعي تاريخي في اللحظة الحاضرة، فيحول الفرصة إلى هزيمة، أو يكرس حالة مناقضة للوعي المفترض، أو يلبس لدى الجيل ما يريده بما لا يريده، وما يحتاجه بما لا يحتاجه، وما أنجز بما لم ينجز، وتضيع خريطة الأولويات وترتيبها.
أسوأ من ذلك أنه تنشأ استجابات خاطئة أو خبيثة للتحديات، تجعل المجتمعات والدول تعمل ضد نفسها! ويتواصل إهدار الفرص، كما أهدرت من قبل في الأحداث السابقة ولم توظف في التحول نحو الديمقراطية كما تحولت دول رُزئت بالاستبداد والشمولية عقوداً طويلة، وكما أهدرت قبل ذلك لحظة التحرر وحقوق الإنسان التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، لتنشئ على نحو مرعب الفرح والتأييد للاستبداد والغوغائية، على عكس العالم الذي صدم بالحرب، وأنشأ للمرة الأولى في تاريخه ميثاقاً عالمياً لحقوق الإنسان والضمان الاجتماعي والتكافل والرعاية ورفض الحروب والنزاعات المسلحة.
كان الدرس الذي تعلمته الأوليغاركية العربية هو الأمن والاستقرار، محمولاً على الاستبداد وعزل المجتمعات وإضعافها والهيمنة على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي (صانعة "الربيع العربي"). في المقابل، فإن الشباب الذين ناضلوا لأجل الكرامة والحياة الأفضل، جُيّر نضالهم على نحو محير لأجل الأصوليات الدينية المضادة للفكرة التي ناضلوا وضحوا لأجلها، أو لنخب احتكارية شريكة في الفساد والاستبداد.
الخبرة الأوليغاركية تبدو واثقة بنفسها، ومحملة بالتجارب الناجحة في الهيمنة، عندما وظفت نتائج الحرب العالمية الأولى في التحالف مع الكولونيالية، ثم هي نفسها التي ظهرت رائدة التحرر والاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، وشريكة الأصولية الدينية في السبعينيات والثمانينيات، متخلية عن علمانيتها وليبراليتها المزعومة. واليوم، تبدو الأوليغاركية وقد توجت مئة سنة من نجاحها المتواصل في عزل المجتمعات العربية عن سياق العالم، والمضي بها ضد مصالحها.
كان "الربيع العربي" استجابة لدخول الشبكية في عالم الأعمال والسياسة والثقافة، وما نشأ عن ذلك من تحولات كبرى مؤثرة في علاقة الناس بمواردهم، وعلاقة المجتمعات بالسلطة والشركات؛ وهي تحولات حتمية، لكن الاستجابة لها بالتقدم والإصلاح ليس حتمياً، أو لا يأتي بالسرعة نفسها. وقد استجاب العالم المتقدم من غير ثورات بإعادة تشكيل المدن والمجتمعات والأفراد والمؤسسات والأسواق نحو مزيد من الاستقلال والتنظيم الذاتي، إضافة إلى مزيد من التماسك الاجتماعي.
وحتى لا نهدر "الربيع العربي" في أوهام المعارضة بالمقاومة وتطبيق الشريعة، أو أوهام الأوليغاركية بالعودة إلى الإقطاع، فإن الجيل الثلاثيني خصوصاً بحاجة لأن ينظم ويعرّف نفسه على أنه ليس امتداداً لجيل سابق لم يكتشف بعد ذاته، وبدلاً من أن ينقرض تحول إلى ديناصور قابل للبقاء!
نفعل خيراً إن لم نتعلم من الجيل الجديد فأن ندعه على الأقل يبحث عن طريقه بنفسه، من دون ركام الخرافة والزيف الذي غرقنا فيه وأعدنا إنتاجه، ويا للهول في دراسات ورسائل جامعية محكمة! وأنشأنا لتكريسه مؤسسات إعلامية وتعليمية متقدمة، تستخدم أفضل ما توصلت إليه البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي لحماية التخلف!