الردح.. والردح الآخر

 

أعود كلما اتيحت الفرصة وكلما "عنّ.." علي ذلك الخاطر القديم الجديد، إلى نشرات أخبار وبرامج قديمة عملنا بها أو رصدناها على مدى سنين طويلة، بل اخرى صنعها أساتذة قبلنا.

اضافة اعلان

أقارنها بأخرى جديدة، والغريب أنني بلا أدنى مجهود أو ذكاء، أجد هذا التشابه الدقيق بين عبارات الأمس، وتعبيرات اليوم.

أكلت منا "الوضع العربي الراهن" و"الظروف الراهنة على مفترق الطرق"، و"المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا" أكلت منا "راقات"، ومثلها ملايين العبارات التي ما تزال تصر على ملازمتنا: "القضايا ذات الاهتمام المشترك" و"آفاق العمل العربي المشترك".

وأتساءل هنا أين أوصلتنا كل تلك التعبيرات التي اضحت زاد الداخل إلى عالم الأخبار وزوادة صناعه، وكيف انعكست على حياتنا وعلاقاتنا و"ظروفنا الراهنة"؟.

في قمة عمّان 2001، خرج امين عام الجامعة العربية لحظة تعيينه على رأس هرم العمل العربي المشترك، ليؤكد أن منظومة الشعارات المطاطة والعبارات النمطية تلك قد انتهت، وأن زماناً جديداً قد بدأ، متلمساً الواقع العربي وحاجات الناس على الأرض؛ لم يحدث هذا طبعاً، بل بقيت اللغة ذاتها والتعبيرات هي..هي وأكثر.

أما الأكثر فهذا الانخراط "غير مفهوم" لقادة رأي وفنانين ونجوم اعلاميين كبار وآخرين اصغر؛ قنوات فضاء وشاشات عربية في وصلات الردح.. والردح الآخر!! كنتيجة طبيعية لإخفاق منظومة "الكلام" العربي المطاط الذي كان آخر وصلاته في قمة الدوحة، وعلى وقع قوافي ابو الطيب المتنبي.

الغريب أن أسطوانات الردح، والردح المضاد على الشاشات أولاً ومن ثم عبر الصحف العربية والمواقع الالكترونية "القابضة" منها على الجمر، أو تلك الأخرى على المال والدعم، تتعالى أنغامها كلما فشل العرب في حل مشاكلهم "كما هي العادة" أو كلما نجح العرب، أو "هكذا يُعتقد" في أمر ما.. ففي الأولى تتصاعد الاتهامات حول سبب الفشل، ومن صنع الإخفاق وفي الثانية، يكون الفضل وصاحبه مدار الخلاف والقذف والردح المنظم.

وبين دفع التهمة والبلاء، وجني المكتسبات، يجنّد المثقفون أنفسهم، ويتأهب صناع الكلمة وقادة الرأي، حتى أولئك المذيعين والنجوم الذين لا يتقنون إلا فن الإضحاك للدخول في لعبة "الردح"، حيث القاموس القديم المدجج بالعبارات والتركيبات والتشبيهات والمجازيات التي تجاوزت قدرتها وأناقتها لغوياً كل تلك الخطابات السياسية المملة التي لا تعبأ بالمضمون، وأهدافه بقدر اهتمامها بشكل اللغة والمفردة والمحسنات فيه، ومن هذا إلى ذاك "لا تحزن يا قلبي..".

أذكر عندما كانت خلافات القيادات العربية على أشدها، لم تستوعب الشعوب تلك الخلافات، بل عبرت عن استهجانها بمشاريع ونشاطات ثقافية وإعلامية كانت محركاً للعمل المشترك، مؤكدة أن ما يحدث فوق لا علاقة له بما يجري تحت..

الصورة انقلبت، ليصبح الإعلام العربي محرك الحكام وليس العكس، بل وانساقت قيادات سياسية وراء اللعبة من دون أن تعي ذلك، وأصبحت الأبواق الجاهزة "جاهزة"، وهي نفسها التي تخرج من المولد بسواد الوجه، بعد أن تتبدل مواقف السياسة، ويصبح عدو البارحة حبيب اليوم.

اليوم نعيش تلك الأجواء بامتياز، فنكباتنا وهزائمنا وإخفاقاتنا، تضاف إليها نكبة إعلامية أخرى مسرحية كوميدية "مظلمة" نتابعها نحن المشاهدين المصدقين لكل ما يقال أمامنا، تائهين بين ما هو على حق، ومن هو على باطل، لسان حالنا مشهد قدمه عادل امام باقتدار في "السفارة في العمارة" عندما بقي يردد عند كل برنامج يمر أمامه على الشاشة: "الراجل ده بتكلم كلام زي الفُل" حتى ظهرت مطربة (شبه عارية) تغني "حط النقط على الحروف.. قبل ما نطلع سوا على الروف.." فعاد ليقول.. "الست دي بتتكلم كلام زي الفُل".. صباح الفُل.

[email protected]